للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

.............................................................................................

ــ

قلت: وقد ذهب إليه ابن حزم أيضًا ورد على من فرق بين تقديم السعي وسائر ما قدم وأخر، وأما تأويل الخطابي وغيره فلا يخفى ما فيه من التعسف، وقال ابن دقيق العيد (ج ٣: ص ٧٩) بعد حكاية قول الإمام أحمد المذكور: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي من جهة الدليل أن الدليل دل على وجوب إتباع أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحج بقوله: " خذوا عني مناسككم ". وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول السائل ((لم أشعر)) فيختص الحكم بهذه الحالة ويبقى حالة العمد على أصل وجوب إتباع الرسول في الحج، وأيضًا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة والحكم علق به، فلا يمكن إطراحه وإلحاق العمد به إذ لا يساويه، فإن تمسك بقول الراوي ((فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج)) فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى في الوجوب، فجوابه أن الراوي لم يحك لفظًا عامًا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقتضي جواز التقديم والتأخير مطلقًا، وإنما أخبر عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا حرج ". بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار من الراوي إنما تعلق بما وقع السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال وكونه وقع عن العمد أو عدمه، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه فلا يبقى حجة في حال العمد، والله أعلم – انتهى. وتعقبه الشنقيطي بأنه لا يتضح حمل الأحاديث على من قدم الحق جاهلاً أو ناسيًا وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل، لأن بعض تلك الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص في النسيان والجهل. وقد تقرر أيضًا في علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة، لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقال الشوكاني: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ولا يجوز إطراحها بإلحاق العمد بها، وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب – انتهى بقدر الضرورة، وقد عرفت مما قدمنا أن أحاديث الباب مخالفة للحنفية والمالكية في بعض الصور فاعتذروا عن ذلك بوجوه، منها: أن معنى الحرج في هذه الأحاديث الإثم وهو المنفي ها هنا، قال الأبي في الإكمال: قوله ((لا حرج)) محمول عندنا على نفي الإثم فقط – انتهى. وبذلك جزم الطحاوي وغيره من الحنفية أن المنفي هو الإثم فقط دون الفدية، وتعقبه الحافظ في الفتح فقال: العجب ممن يحمل قوله ((ولا حرج)) على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج – انتهى. قلت: التعقب المذكور قوي متجه، وجوابه متعذر جدًا،

<<  <  ج: ص:  >  >>