للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[توجيه الترتيب]

تتوقف الأعمال على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة على الأبدان من الواجبات، ولهذا قدم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل.

فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله كما حرم غلاة المتصوفة اللحم.

وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها كما يفعله متصوفة الهنادك، ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام.

والميزان العدل في ذلك هو ما كان عليه النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه رضي الله عنهم، وقد بين ذلك أئمة السنة والأثر رحمهم الله، وقد جوده مالك رضي الله عنه فى كتاب الجامع (١) من الموطأ.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح تنبيه على أنه هو الذي يثمرها لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن، فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال.

[بيان نبوي]

خرج مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال: «أيها الناس، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلاّ طيباً. وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (٢).

فبين الحديث الشريف أن الله طيب أي منزه عن النقص في ذاته وصفاته وأفعاله، تنعم العقول والأرواح بمعرفته- كما يليق به- ومحبته.

وأنه لا يقبل من الأعمال إلاّ طيباً أي صالحاً في نفسه خالصاً من شوائب المخالفة والرياء والشرك.

وبين أن الشرع عام للرسل وللأمم، ولا يستثنى من هذا إلاّ ما دل الدليل على اختصاصه بالرسل.

وبين أن أكل الحلال هو الذي يثمر قبول الدعاء «الدعاء هو مخ العبادة» (٣)، فإذا رُدّ عليه


(١) وهو الكتاب رقم ٤٥ من الموطأ.
(٢) صحيح مسلم (كتاب الزكاة، حديث رقم ٦٥). وأخرجه أيضاً الترمذي في تفسير سورة البقرة باب ٣٦، والأدب باب ٤١. والدارمي في الرقاق باب ٩. وأحمد في المسند (٣٢٨/ ٢).
(٣) حديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخرجه الترمذي في الدعوات باب ١ حديث رقم ٣٣٧١ من طريق أنس بن مالك.

<<  <   >  >>