للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[أنواع الوحي وأقسامه]

قوله رحمه الله: [وأنزله على رسوله وحياً] .

هذا فيه بيان أن القرآن منزل من رب العالمين، وهذا تأكيد لمعنى ما تقدم من أن القرآن كلام الله جل وعلا، حيث إنه نزل منه سبحانه وتعالى، وقد قرر الله جل وعلا هذا الأمر -وهو إنزال الكتاب من عنده- في آيات كثير {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر:١] تنزيل الحكيم الخبير، والآيات التي يخبر فيها جل وعلا أن القرآن منزل منه كثيرة، وهذا فيه: أنه كلامه سبحانه وتعالى المضاف إليه، فهذا تأكيد لما تقدم من أن القرآن كلام الله جل وعلا منه بدا بلا كيفية قولاً.

قال: (أنزله على رسوله) الرسول هنا المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (وحياً) أي: أنزله على صفة الوحي.

والوحي أيها الإخوة له ثلاث درجات: - يطلق الوحي ويراد به الإعلام السريع الخفي.

وهذا هو الأصل فيه، فمنه ما يكون ظاهراً، ومنه ما يكون خفياً، ومنه ما يكون يقظة، ومنه ما يكون مناماً، وقد بين الله جل وعلا أقسام الوحي في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الأولى.

- {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الثانية.

- {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الثالثة.

فأقسام الوحي ثلاثة: - القسم الأول: هو الإعلام السريع، وهذا لا يختص به الأنبياء، بل يكون للأنبياء وغيرهم، ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي} [المائدة:١١١] ، ومنه قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص:٧] ، ومنه قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل:٦٨] ، فهذا كله يدخل في القسم الأول.

- القسم الثاني: وهو ما خص الله به موسى عليه السلام، وهو التكليم من وراء حجاب، وهو المشار إليه في قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:١٦٤] .

- القسم الثالث: وهو العام في الرسل، ولا يكون إلا لهم، وهو: أن يرسل إليهم رسولاً وهو جبريل عليه السلام، والأصل في الرسول الذي يبلغ القرآن ووحي رب العالمين في الكتب السابقة هو جبريل عليه السلام.

وهذا عام لجميع الأنبياء.

فقول المؤلف رحمه الله: (وأنزله على رسوله وحياً) ، من أي أنواع الوحي؟ هل هو من النوع الأول أو الثاني أو الثالث؟

الجواب

الثالث؛ لأن جبريل هو الذي نزل بالقرآن، قال الله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:٥] ، وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل:١٠٢] ، فالذي نزل بالقرآن جبريل عليه السلام.

وأرفع هذه الأنواع هو النوع الثاني الذي خص الله به موسى عليه الصلاة والسلام، وهو أن يكلم الله الرسول من وراء حجاب، ثم النوع الثاني الذي هو آخر المذكورات في الآية، وأقلها وأدناها درجة هو النوع الأول الذي ابتدأ به ذكر أقسام الوحي في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:٥١] ، وهذا لا يختص بالأنبياء كما تقدم.

والإعلام الخفي لا يلزم منه أن يكون كلاماً، ومنه قوله تعالى للنحل في إطلاق الوحي على غير الكلام، نحن لا ندري هل للنحل لها لغة كلمها الله بها أو لا؟ وهناك شيء أوضح من هذا في قصة زكريا: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران:٤١] {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم:١١] ، هنا أوحى إليهم بغير الكلام؛ لأن الله أخذ عليه العهد بأن لا يكلم الناس، فهذا دليل على أن الوحي الخاص يكون بغير التكليم، ولذلك الوحي والتكليم بينهما عموم وخصوص، فقد يكون الوحي بالتكليم وقد يكون بغيره، والكلام قد يكون وحياً، وقد لا يكون وحياً.

والقسم الثاني من أنواع الوحي: ما خص الله به موسى عليه السلام وهو التكليم من وراء حجاب.

والثالث: الوحي بإرسال الرسول لتبليغ الوحي.

ثم قال: [وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً] الضمير يعود إلى القرآن، أي: صدق القرآن المؤمنون، (على ذلك حقاً) أي: على الصفة التي تقدمت بأنه كلام الله عز وجل: (منه بدا بلا كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً) .

وقوله: (حقاً) أي: من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل بل صدقوه على ما دلت عليه هذه الألفاظ من أنه كلام الله حقيقة.

قال رحمه الله تأكيداً لما سبق: [وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة] ، وهذا فيه الرد على طوائف الضلال ممن قال: إن القرآن مضاف إلى الله إضافة خلق، وممن قال: إنه عبارة عن كلام الله، وممن قال: إنه حكاية عن كلام الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>