للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عليه، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر [١] تنفّس الصّعداء، ثم قال: [٢] ((يا كميل بن زياد، إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ ما أقول لك:

الناس ثلاثة؛ فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، يا كميل بن زياد [٤ و] العلم خير من المال، العلم يحرسك، والمال تحرسه [٣] ، والمال تنقصه النّفقة، والعلم يزكو على الإنفاق [٤] ، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، يا كميل بن زياد، هلك خزّان الأموال، والعلم باق والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم موجودة، ها إنّ هنا لعلما جمّا- وأشار إلى صدر- لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على أوليائه [٥] ، ويحججه على دينه، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في إحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه الأول عارض من شبهة، ألا، لا ذا ولا ذاك، أم منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أم مغرما [٦] بالجمع والإدخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة [٧] ، اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه، إما ظاهرا [مشهورا] أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا، وأين أولئك، الأقلون عددا، الأعظمون قدرا بهم يحفظ الله حججه وبيّناته، حتى يودعوها في قلوب أشباهم [٨] ، هجم بهم العلم على


(الإصابة ت ٧٥٣، تهذيب التهذيب ٨/٤٤٧، جمهرة الأنساب ص ٣٩٠) .
[١] الجبّان والجبانة: المقبرة. أصحر: خرج إلى الصحراء.
[٢] الوصية في نهج البلاغة ص ٧١٢- ٧١٤ ط مؤسسة المعارف، بيروت ١٩٩٦ م.
[٣] في نهج البلاغة: (والعلم يحرسك، وأنت تحرس المال) .
[٤] بعدها في نهج البلاغة: (وصنيع المال يزول بزواله) ، وما بعدها خلاف كثير في الرواية.
[٥] في نهج البلاغة: (على عباده، وبحججه على أوليائه) .
[٦] في النهج: (أو منهوما.... أو مغرما) .
[٧] بعدها في النهج: (كذلك يموت العلم بموت حامليه) .
[٨] في النهج: (حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم) .

<<  <   >  >>