للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يهددون أوربة بعد فتح القسطنطينية، كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم الساحقة، وأننا لم نتحرر من نفوذهم إلا بالأمس.

وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة، وصارت جزءاً من مزاجنا، وأضحت طبيعةً متأصلة فينا تأصل حقد اليهود على النصارى الخفي أحياناً والعميق دائماً.

وإذا أضفنا إلى مبتسراتنا الموروثة ضد المسلمين مبتسرنا الموروث الذي زاد مع القرون بفعل ثقافتنا المدرسية البغيضة القائلة «إن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم والآداب في الزمن الماضي» أدركنا، بسهولة، سر جحودنا العام لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوربة.

ويتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن يرى أن أوربة النصرانية مدينةٌ في خروجها من دور التوحش لأولئك الكافرين، فعارٌ ظاهر كهذا لا يقبل إلا بصعوبة».

ووضع لوبون العرب في صف اليونان والرومان، ورآهم أرقى من جميع أمم الغرب التي عاشت قبل عصر النهضة، فكان في هذا أكثر إنصافاً من بعض كتاب العرب المعاصرين الذي استهوتهم الثقافة الأوربية المدرسية، فأخذوا يسايرون رجالها متجاهلين ما لأمتهم العربية من المقام العريض في ميدان الحضارة راغبين بالأغارقة والرومان عنها حينما يتكلمون في تاريخ الحضارة العالمية.

واعترف لوبون للعرب بظهور رجالٍ عظماء منهم كما تشهد بذلك اكتشافاتهم، ولكنه أبدى ارتيابه في ظهور عباقرةٍ منهم كنيوتن وليبنتز، فتعد ذلك هفوة من العلامة لوبون الذي ذكر في غير موضع أن لافوازيه مدين لعلماء العرب في علم الكيمياء، وأن كليبر وكوبرنيك مدينان لعلماء العرب في علم الفلك مثلاً، فقد قال: «يرى بعض المؤلفين أن لافوازيه هو واضع الكيمياء، وقد نسوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم، ومنها علم الكيمياء، صار ابتداعه دفعةً واحدةً، وأنه وجد عند العرب من المختبرات ما وصلوا به إلى اكتشافاتٍ لم يكن لافوازيه ليستطيع أن ينتهي إلى اكتشافاته بغيرها»، وقال نقلاً عن العلامة سيديو: «إن العرب سبقوا كليبر وكوبرنيك في اكتشاف حركات الكواكب السيارة على شكل بيضي، وفي نظرية دوران الأرض»، وقال: «ترى في كتب العرب من النصوص ما تعتقد به أن نفوسهم حدثتهم ببعض اكتشافات العلم الحديث المهمة»، فإذا كانت الحضارة العامة سلسلة حلقات، وكانت حضارة العرب من أهم تلك الحلقات كان من المتعذر ظهور نيوتن وليبنتز وغيرهما من أركان حلقة الحضارة الحديثة بدونها، والفضل للمتقدم.

<<  <   >  >>