للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي]

السؤال

قد يحتج بعض الناس فيقول: إن الله قدر علي بأن أذنب وأن أعصي، فلو لم يقدره لي لم أفعل، فكيف نجيب؟

الجواب

سبق الجواب على هذا، وذلك أننا نقول له: ما أدراك حينما تقول: إن الله قدر لي أو لم يقدر؟ فأنت الآن في لحظة لا تعلم ما في الغيب، ولا تعلم هل في قدر الله أنك تعصي أو لا تعصي، ولك إرادة، ولك قدرة، فالواجب عليك أن تتبع ما أمر الله سبحانه وتعالى، وألا تبحث عما في المقدور؛ لأن المقدور لا تعلمه أنت ولا غيرك إلا بعد أن يقع، وما دمت جاهلاً فالواجب عليك أن تصنع ما أمرك الله به، فإذا عصيت وذهبت إلى المعصية فأنت ذهبت إليها بإرادتك، ولم تجبر عليها، فأنت محاسب، فإذا ما وقعت منك واحتججت بالقدر فلا حجة لك، وصحيح أنها بعد وقوعها هي بقدر، لكن لا حجة لك.

ولهذا إذا جاءنا إنسان الآن وقد سبق أن عصى، وقال: إن معصيتي بقدر الله، فنقول: تعال، والآن ماذا أنت صانع؟ نحن نقول لك: إنك لا تعلم ماذا في قدر الله الآن؟ فاستبدل تلك المعصية بتوبة، وتكون التوبة بقضاء الله، واستبدلها بطاعة، وتكون الطاعة بقضاء الله وقدره.

وكما سبق في الدرس الماضي، فإنه لا يحتج أحد بالقدر إلا ولله الحجة البالغة عليه، وكما سبق أن ضربنا لكم مثلاً بذلك الذي يحتج بالمعصية لأنها فيما بينه وبين الله، فالشيطان هو الذي سول له، والشيطان يريد أن يغويه، فيأتيه بمثل هذه الشبهة، لكن هذا الإنسان نفسه لا يحتج بالقدر في أمور أخرى هي بقضاء الله وقدره، فلو أن أحداً ضربه أو أخذ ماله أو اعتدى على عرضه أو نحو ذلك، واحتج له ذلك المعتدي بالقضاء والقدر ما قبل منه، مع أنه فعله بقضاء الله وقدره، لكن لم يقبله منه؛ لأنه في حظ نفسه، أما فيما يتعلق فيما بينه وبين ربه فإنه يحتج بالقدر، وهذا منهج يدل على ضعف الإيمان، وعلى أن وساوس الشيطان قد استحوذت عليه، وإلا فالإنسان إذا أطاع الله ثم إن الله سبحانه وتعالى أثابه على ذلك بالجنة، فإنه لا يحتج بالقدر ويقول: أنا طاعتي بقضاء الله وقدره، وليس لي فضل فيها، فلماذا يثيبني الله عليها؟ فتجده يحتج بالقدر في القسم الأول وهو المعصية، ولا يحتج به في القسم الثاني وهو الطاعة، فهذا التفريق دال على أن المسألة وسوسة شيطان، ونفس أمارة بالسوء، تريد أن تزين للإنسان المعصية، وتقول له: افعل هذه المعاصي فإنها مكتوبة عليك، وهي مقدرة.

نعم، إنه لا يكون شيء إلا بقضاء الله وقدره، لكن احتجاجك باطل، وهو مثل احتجاج اللص أو القاتل، فاللص الذي سرق أو القاتل الذي قتل لو قيل له: كيف تقتل فلاناً عمداً وعدواناً وتزهق نفساً مؤمنة؟ وقال: هذا بقضاء الله وقدره، فهو صادق أنه بقضاء الله وقدره، لكن حجته باطلة، واحتجاجه مردود عليه، فلا يقبل منه.

وقد جيء بأحد اللصوص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هذا اللص ذكياً، وكان يعلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه رجاع إلى الحق حينما يذكر له الدليل، فلما جيء به وقد ثبتت عليه السرقة قال له: لماذا سرقت؟ قال: يا أمير المؤمنين! سرقت بقضاء الله وقدره، يريد أن يوحي لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه إذا كان فعلاً بقضاء الله فهذا مسكين، فسامحوه، لكن قال له عمر: (ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره) ، فقطعت يده بقضاء الله وقدره؛ فكلامه صحيح أنه بقضاء وقدر، لكن احتجاجه باطل.

وهكذا يجاب عن كل من احتج بذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>