للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[القول الثاني في الإسلام والإيمان]

القول الثاني لأهل العلم في مسمى الإسلام والإيمان: أن الإيمان والإسلام شيء واحد، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان.

وذهب إلى هذا بعض أهل السنة وعلى رأسهم الإمام البخاري رحمه الله، ذهب إلى هذا في كتابه الجامع الصحيح في التراجم، وشارك أهل السنة في هذا القول بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، قالوا: إن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان.

وأجابوا عن حديث جبرائيل: (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله) قالوا: هذا فيه تقدير، والتقدير: شعائر الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله.

ولكن الأصل عدم التقدير.

واستدلوا بقول الله تعالى في قصة قوم لوط عليه الصلاة والسلام: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:٣٥ - ٣٦].

قالوا: هذا البيت الواحد وصف بالإيمان ووصف بالإسلام، بيت واحد وهو لوط وابنتاه، نجاهم الله من الهلاك، فهذا يدل على أنهما مترادفان.

ولكن الصواب: أنهما ليسا مترادفين.

والجواب عن هذه الآية: أن البيت المفرد اتصف بالإيمان وبالإسلام؛ لأنها تنطبق عليهم أوصاف الإسلام وأوصاف الإيمان، ولا يلزم من كون هذا البيت المفرد اتصف بالإسلام والإيمان أن يكون الإسلام والإيمان واحداً؛ لأن غيرهم قد لا يتصف بصفة الإيمان.

ومن أدلتهم: قول الله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:١٤].

فهذه الآية فيها أن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، ولو كان الإيمان والإسلام شيئين لما نفى عنهم الإيمان، فلما نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام دل على أن هؤلاء منافقون، والمعنى: قولوا استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهراً نفاقاً.

والصواب الذي عليه جمهور العلماء والمحققون من أهل السنة وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن هذه الآية ليست في المنافقين، وإنما هي في ضعفاء الإيمان؛ لأن هذه الآية من سورة الحجرات، وآية الحجرات ذكر فيها المعاصي: القتل، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والهمز، واللمز، وليس فيها ذكر النفاق، فضعيف الإيمان ينفى عنه الإيمان ويثبت له الإسلام، وإن كان لا بد للإسلام من إيمان يصح به، إلا أنه لا يطلق عليه اسم الإيمان.

ويدل على هذا ما سبق هذه الآية، فإن هذه الآية في المؤمنين قال فيها: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ} [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة الله ورسوله، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم طاعة، وقال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات:١٧] فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم الإسلام.

<<  <  ج: ص:  >  >>