للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكل ذلك التدبير يبعثه على التكثير من ادخار ما قد يتطلبه، والاحتفاظ بما يفصّل عن حاجته، ادخاراً لشدائد الأزمان أو تباعد المكان. ويزيده حرصاً على هذا الادخار شعوره بإمكان الفقدان لعجز أو عدم. ولذلك قال الأعشى:

"كجابية الشيخ العراقي تفهق" (١) *

وهو قد سمّى ذلك التحصيل والادخار ملكاً، ورأى أن سعيَه يخوّلُه حقَّ الاختصاص بما جمعه. فإذا امتدت إليه أيدي الطامعين في ابتزازه رأى عملَهم ظلماً وحمي غضبه وقام إلى مدافعتهم.

فلمّا أُشربت قلوبُ البشر حب العدل احترموا ممتلكاتِ الناس، وصادقوا على أحقية أصحابها بها، ورأى [كل أحد] لنفسه الحق في أن يتصرف فيما حصله تصرفاً مطلقاً لا يقبل فيه تدخلَ متدخَّل. وقد قصّ الله تعالى أن أهل مدين عجبوا من شعيب أن يضيّق عليهم بعض المعاملات، فشافهوه بالإنكار والتهكم به إذ {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (٢).

واعتبر الإِسلامُ في أصل التملك معنى ما ذكرنا. ففي الحديث:


(١) * مصراع من بيت من قصيدته التي مدح بها المحلق وأوله:
نَفَى الذم عن رهط المحلق جفنة
ومحل الشاهد منه أنه اختار نسبة الجابية إلى الشيخ لأنه يحرص على ملء جابيته لحرصه، وخشية أن لا يجد الماء وقت طلبه. اهـ. تع ابن عاشور. [قال المبرد: وتأويله أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته, لأنه حضري، فلا يعرف مواقع الماء ولا محالّه. الكامل: ١/ ٢٤].
(٢) هود: ٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>