للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرئ فى كل أموره، من بدء ظهوره- صلى الله عليه وسلم- إلى حين وفاته، فى الجاهلية والإسلام. فمنها ما كان فى شأن أمه، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم.

ومثل ذلك حليمة السعدية. وحتى الأتان، وحتى البقعة التى تجعل الأتان يدها عليها تخضر من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم.

وكان مشيه- صلى الله عليه وسلم- حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع- صلى الله عليه وسلم- يده المباركة ظهر فى ذلك كله من الخيرات والبركات حسّا ومعنى، كما هو منقول معروف.

ولما شاء صاحب القدرة أنه- صلى الله عليه وسلم- لا بدّ له من بيت، ولا بدّ له من منبر، وأنه بالضرورة يكثر تردده- صلى الله عليه وسلم- بين المنبر والبيت، فالحرمة التى أعطى غيرهما إذا كان من مسّة واحدة بمباشرته أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده- صلى الله عليه وسلم- فى البقعة الواحدة مرارا فى اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهى الآن منها، وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه فى هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا فى جنسها.

فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغى أن يكون ذلك للمدينة بكمالها، لأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يطؤها بقدمه مرارا.

فالجواب: أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر- صلى الله عليه وسلم-، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام. وأنه- صلى الله عليه وسلم- أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأن ما كان لها من الوباء والحمى رفع عنها، وأنه بورك فى طعامها وشرابها وأشياء كثيرة، فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولا، بأن تردده- صلى الله عليه وسلم- فى المسجد نفسه أكثر مما فى المدينة نفسها، وتردده- صلى الله عليه وسلم- فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة