للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهَا الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ، وَالْحَرْبِيَّةُ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَحْتَ قَهْرِنَا، وَلِلْخَوْفِ مِنْ إرْقَاقِ الْوَلَدِ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ وَلَدُ مُسْلِمٍ، وَخَرَجَ بِخَالِصَةٍ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَنَحْوِ وَثَنِيَّةٍ فَتَحْرُمُ كَعَكْسِهِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ

(وَالْكِتَابِيَّةُ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ) لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِزَبُورِ دَاوُد وَنَحْوِهِ كَصُحُفِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا تَحِلُّ لِمُسْلِمٍ، قِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ بِنَظْمٍ يُدْرَسُ وَيُتْلَى وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيْهِمْ مَعَانِيهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ لَا أَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ، وَفَرَّقَ الْقَفَّالُ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَغَيْرِهَا، بِأَنَّ فِيهَا نَقْصًا وَاحِدًا وَهُوَ كُفْرُهَا وَغَيْرُهَا فِيهَا نُقْصَانُ الْكُفْرِ وَفَسَادُ الدِّينِ

(وَشَرْطُهُ) أَيْ حِلِّ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ الْخَالِصَةِ (فِي إسْرَائِيلِيَّةٍ)

ــ

[حاشية البجيرمي]

إنْ جُعِلَتْ الْكِتَابِيَّاتُ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: ٣١] ، أَوْ غَيْرُ مُخَصِّصَةٍ إنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وَتَكُونُ الْآيَةُ الْأُولَى دَلِيلَ التَّحْرِيمِ، وَالثَّانِيَةُ دَلِيلَ الْحِلِّ ح ل وَكَذَلِكَ م ر. (قَوْلُهُ يُكْرَهُ) أَيْ مَعَ كَرَاهَةٍ إنْ لَمْ يَرْجُ إسْلَامَهَا وَوَجَدَ مُسْلِمَةً تَصْلُحُ وَلَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ يُسَنُّ بِرْمَاوِيٌّ وَح ل، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَمَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَيَحِلُّ نِكَاحٌ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَحْتَ قَهْرِنَا) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الْعِلَّةِ؟ ح ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَحْتَ قَهْرِنَا أَيْ فَيَحْتَاجُ الزَّوْجُ إلَى أَنْ يُقِيمَ لِأَجْلِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ وَفِي إقَامَتِهِ هُنَاكَ تَكْثِيرُ سَوَادٍ لِلْكُفَّارِ

(قَوْلُهُ وَلِلْخَوْفِ إلَخْ) هَذِهِ الْعِلَّةُ تَقْتَضِي كَرَاهَةَ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ الْمُقِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ح ل (قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَنَّهَا زَوْجَةُ مُسْلِمٍ فَلَا يُنَافِي، هَذَا مَا تَقَرَّرَ فِي السِّيَرِ أَنَّ زَوْجَةَ الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ إرْقَاقُهَا ح ل. (قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ) كَمَا حَرُمَ نِكَاحُ الْمُتَوَلِّدَةِ وَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَوْ هُوَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ أَوْ الْآدَمِيِّ، وَلَمْ يُغَلِّبُوا التَّحْرِيمَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرَةٍ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَيَغْلِبُ سَائِرَ الْأَدْيَانِ لِحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» ح ل (قَوْلُهُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَلَغَتْ وَاخْتَارَتْ دِينَ الْكِتَابِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر خِلَافًا لحج فَهِيَ كِتَابِيَّةٌ لَا تَحِلُّ وَفِيهِ أَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ دِينَ الْكِتَابِيِّ، لِأَنَّهَا تَتْبَعُ أَشْرَفَ أَبَوَيْهَا فِي الدِّينِ إذْ يَبْعُدُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ بَلْ لَا يَصِحُّ ح ل وَالْوَثَنِيَّةُ عَابِدَةُ الْوَثَنِ وَهُوَ الصَّنَمُ سَوَاءٌ كَانَ مُصَوَّرًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالْمَجُوسِيَّةُ عَابِدَةُ النَّارِ (قَوْلُهُ يَهُودِيَّةٌ) مُتَمَسِّكَةٌ بِالتَّوْرَاةِ وَالثَّانِيَةُ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْإِنْجِيلِ ح ل (قَوْلُهُ لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِزَبُورِ دَاوُد) يَنْبَغِي إسْقَاطُهُ، لِأَنَّ دَاوُد كَانَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى وَسَيَأْتِي أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ ح ل، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَتْ بِالزَّبُورِ وَتَرَكَتْ التَّوْرَاةَ

(قَوْلُهُ شِيثٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ اج، وَهُوَ وَلَدُ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَكَانَ أَجْمَلَ أَوْلَادِهِ وَأَفْضَلَهُمْ وَأَشْبَهَهُمْ بِأَبِيهِ وَأَحَبَّهُمْ إلَيْهِ وَوَصِيَّهُ وَخَلِيفَتَهُ، وَوَلَدَتْهُ أُمُّهُ فِي بَطْنٍ وَحْدَهُ وَعُمُرُهُ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ الْأَنْسَابُ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ اهـ، وَصُحُفُهُ خَمْسُونَ وَصُحُفُ إدْرِيسَ ثَلَاثُونَ وَإِبْرَاهِيمَ عَشْرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الْمِائَةِ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ، وَقِيلَ: أُنْزِلَتْ عَلَى آدَمَ اهـ وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: ١٩] إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الصُّحُفُ شَامِلَةً لِلْكُتُبِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَشَوْبَرِيٍّ لَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ

(قَوْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الزَّبُورَ وَصُحُفَ شِيثٍ وَصُحُفَ إدْرِيسَ وَصُحُفَ إبْرَاهِيمَ لَمْ تَنْزِلْ بِنَظْمٍ يُدْرَسُ أَيْ فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّمَسُّكِ بِهَا حُرْمَةٌ، كَحُرْمَةِ مَنْ عِنْدَهُمْ كِتَابٌ، وَوَجْهُ هَذَا التَّحْرِيضِ وَاضِحٌ ح ل وَلَعَلَّهُ أَنَّ عَدَمَ إنْزَالِ أَلْفَاظٍ لَا يُنْتِجُ حُرْمَةَ نِكَاحِ الْمُتَمَسِّكَةِ بِهَا، أَوْ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ كَلَامَ اللَّهِ مَعَ أَنَّهَا كَلَامُهُ، لِأَنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْمَعَانِي تُسَمَّى كُتُبًا مُنَزَّلَةً لَسُمِّيَتْ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ كُتُبًا، لِأَنَّ مَعَانِيَهَا أُنْزِلَتْ فَالْحَقُّ أَنَّ الزَّبُورَ وَالصُّحُفَ أُنْزِلَتْ أَلْفَاظُهَا وَفَهِمُوا مَعَانِيَهَا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيْهِمْ مَعَانِيهِ) أَيْ فَهِمُوهَا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ فَتَكُونُ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى هَذَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حِكَمٌ) جَمْعُ حِكْمَةٍ، وَقَوْلُهُ وَمَوَاعِظُ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْحِكَمِ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهَا كُلُّ كَلَامٍ وَافَقَ الْحَقَّ لَشَمِلَتْ الْأَحْكَامَ الَّتِي نَفَاهَا بِقَوْلِهِ لَا أَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ، إلَّا أَنْ تُخَصَّصَ بِغَيْرِ الْأَحْكَامِ فَيَكُونَ عَطْفُ مَوَاعِظَ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، لِأَنَّ الْمَوَاعِظَ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِمَالِهَا عَلَى وَعْظٍ

(قَوْلُهُ لَا أَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ فَالتَّمَسُّكُ بِهَا كَلَا تَمَسُّكٍ ح ل (قَوْلُهُ فِيهَا نُقْصَانُ) رَاعَى مَعْنَى غَيْرُ فَأَنَّثَ الضَّمِيرَ. (قَوْلُهُ وَفَسَادُ الدِّينِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا تُمْسِكُوا بِمَا لَمْ يَنْزِلْ بِنَظْمٍ يُدْرَسُ كَانَ بِمَثَابَةِ الدِّينِ الْفَاسِدِ فَالتَّعْبِيرُ فِيهِ مُسَامَحَةٌ ح ل. أَوْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالدِّينِ التَّمَسُّكُ أَيْ وَفَسَادُ التَّمَسُّكِ أَوْ يُقَالُ: شِدَّةُ فَسَادِ الدِّينِ أَوْ يُقَالُ: وَفَسَادُ الدِّينِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ كَمَا فِي م ر بِخِلَافِ الْكِتَابِيَّةِ، فَإِنَّ دِينَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ صَحِيحٌ

(قَوْلُهُ فِي إسْرَائِيلِيَّةٍ) أَيْ يَقِينًا فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهَا إسْرَائِيلِيَّةً فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ وَفِي غَيْرِهَا ع ش عَلَى م ر.

<<  <  ج: ص:  >  >>