للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم تكن مصنفاته نقولًا لكلام من تقدم عليه فحسب، بل هي مليئة بالتحقيقات والإجتهادات والإختيارات والوجوه.

والإحتمالات التي لأبي يعلى تشكل نسبة عالية من الإحتمالات الواردة في الفقه الحنبلي كله.

قال البعلي: "وكثير من الإحتمالات في المذهب، بل أكثرها للقاضي أبي يعلى

محمد بن الفراء في كتابه "المجرد" وغيره" (١).

لا شك أن هذه الإحتمالات فعلت فعلها الإيجايي البَنّاء في إثراء المذهب وتنميته.

والدليل على ذلك أن فقهاء الحنابلة عدوا القاضي أبا يعلى في زمرة المجتهدين في المذهب في الدرجة العالية. فقد قال ابن القيم في النوع الثاني من أنواع المجتهدين ما نصه:

"النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس مالم ينص من ائتم به [عليه] على منصوصه، من غير أن يكون مقلداً لإمامه، لا في الحكم، ولا في الدليل. لكن سلك طريقه في الإجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره. فهو موافق له في مقصده وطريقته معاً.

وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة: القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في شرح "الإرشاد" الذي له" (٢).

وأما التعليم:

فقد كان القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة في وقته بلا منازع، يدرس ويعلم، لم يفتر عن ذلك حتى مع تقدم السن به، فبرز على يديه تلامذة نجباء، وعلماء أعلام. فمن الذين تفقهوا على يديه: الشريف أبو جعفر، وأبو علي ابن البناء، وأبو الوفاء ابن عقيل، ومحفوظ الكلوذاني (أبو الخطاب). وغيرهم عدد كثير (٣).


(١) المطلع على أبواب المقنع، للبعلي، ص ٤٦١، المكتب الإسلامي، ١٩٨١، و"الإنصاف" المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ١/ ٩.
(٢) إعلام الموقعين ٤/ ١٧٣، ويلاحظ أن ابن حمدان جعل هنا النوع من المجتهلين مقلداً لإمامه في الحكم والدليل، على ما نقله عنه المنقور في"الفواكه العديدة"٢/ ١٧٢. وهذا يخالف ما قال ابن القيم، إلا أن يكون هناك خطأ أو تصحيف في النقل. ويبدو أن الصواب مع ابن القيم لما يعلم لأبي يعلى من التفردات والتخريجات، والله أعلم.
(٣) الطبقات ٢/ ٢٢٠٤، السير ١٨/ ٨٩، القاضى أبو يعلى، لعبد القادر أبو فارس، ص ٢٥٧.