للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله!! فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقنَّ عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه (١)!!

وهذا يدل على عظم مكانة أحمد في الناس واقتدائهم به. وعندئذ جُرّد الإمام أحمد وأخذ إلى مكان التعذيب، فضرب نحوًا من ثلاثين سوطًا، ضربًا مبرحًا شديدًا، وكان ذلك بحضرة المعتصم وجماعته، وكان يعرض عليه أن يعود عن رأيه بين الضربات والضربات، فلم ينبس ببنت شفة، على الرغم من أنه أغمي عليه مرارًا، وكان ذلك في أواخر رمضان، وهو صائم، وكان قبل ذلك أخبر عن نفسه أنه لا يخاف من القتل بقدر ما يخاف من الضرب.

ثم أفرج عنه يوم ٢٥/ رمضان/ ٢٢٠ هـ، وسرح إلى أهله (٢)، فذهب مضرجًا بالدماء. وهل أفرج عنه رحمة به؟ الواقع أن ذلك كان ليأسهم من حياته، ولكن كان المكر يقضي لهم بأن يتركوه يموت بعيدًا عن ساحة الخليفة، لئلا يكون في ذلك بطلًا في الثبات وشهيدًا لا ينسى.

قال ابن أبى دوادَ بعد ما أُشير على المعتصم بقتله: لا يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك، قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك، شك الناس في أمره، وقال بعضهم: أجاب، وقال بعضهم: لم يجب!! (٣).

وهكذا كانت المكيدة تتوالى عليه!!

ويقي الإمام أحمد في بيته يمرَّض من قبَل أولاده، وقد أقعدته السياط وأثنته عن الحركة، وكان المعتصم خائفًا يترقب أخباره خَشية أن يموت من جراء ذلك، فيبوء بإثمه، فلما شفي أحمد وتماثل للعافية سُرّي عن المعتصم (٤).

* * *


(١) الماقب ص ٤٠١، السير ١١/ ٢٤٧.
(٢) ذكر العليمي في "المنهج الأحمد" (١/ ١٠٨): أن المحنة كانت في سنة ٢١٨ هـ عقب دخول المعتصم إلى بغداد، وأن الذي تولى كبرها هو بشر المريسي (ت ٢١٨ هـ) وأن أحمد استمر في السجن إلى سنة ٢٢٠ هـ، وهذا كله غريب لا تساعده الروايات واستقراء الأحداث. والله أعلم.
(٣) المناقب ص ٤٢٠، السير ١١/ ٢٥٩.
(٤) البداية والنهاية ١٤/ ٤٠٤.