للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَيْ: لِتَصْبِرْ مِائَةٌ لِمِائَتَيْنِ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: ٤٥] ، وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي مَنْ لَزِمَهُ جِهَادُ مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَرِيضٍ وَامْرَأَةٍ وَبِالصَّفِّ مَا لَوْ لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْصِرَافُهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ طَلَبَهُمَا وَلَمْ يَطْلُبَاهُ وَبِمَا بَعْدَهُ مَا إذَا لَمْ نُقَاوِمْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى مِثْلَيْنَا، فَيَجُوزُ الِانْصِرَافُ كَمِائَةٍ ضُعَفَاءَ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَّا وَاحِدًا أَقْوِيَاءَ، فَتَعْبِيرِي بِالْمُقَاوَمَةِ وَعَدَمِهَا أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ بِزِيَادَتِهِمْ عَلَى مِثْلَيْنَا وَعَدَمِهَا (إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ) كَمَنْ يَنْصَرِفُ لِيَكْمُنَ فِي مَوْضِعٍ وَيَهْجُمَ أَوْ يَنْصَرِفَ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ (أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا وَلَوْ بَعِيدَةً) قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً فَيَجُوزُ انْصِرَافُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا مُتَحَرِّفًا} [الأنفال: ١٦] إلَى آخِرِهِ (وَشَارَكَا) أَيْ: الْمُتَحَرِّفُ وَالْمُتَحَيِّزُ (مَا لَمْ يَبْعُدْ الْجَيْشُ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ) كَمَا يُشَارِكَانِهِ فِيمَا غَنِمَهُ قَبْلَهَا بِجَامِعِ بَقَاءِ نُصْرَتِهِمَا وَنَجْدَتِهِمَا فَهُمَا كَسَرِيَّةٍ قَرِيبَةٍ تُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَهُ بِخِلَافِهِمَا إذَا بَعُدَا لِفَوَاتِ النُّصْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْمُتَحَرِّفَ يُشَارِكُ وَحُمِلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَمْ يَغِبْ وَالْجَاسُوسُ إذَا بَعَثَهُ الْإِمَامُ لِيَنْظُرَ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْقُلَ أَخْبَارَهُمْ يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَصْلَحَتِنَا وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّبَاتِ فِي الصَّفِّ. وَذِكْرُ مُشَارَكَةِ الْمُتَحَرِّفِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ زِيَادَتِي. وَإِطْلَاقُ النَّصِّ عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَعُدَ أَوْ غَابَ.

(وَيَجُوزُ بِلَا كُرْهٍ) وَنُدِبَ (لِقَوِيٍّ) بِأَنْ عَرَفَ قُوَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ (أَذِنَ لَهُ إمَامٌ) وَلَوْ بِنَائِبِهِ (مُبَارَزَةٌ) لِكَافِرٍ لَمْ يَطْلُبْهَا لِإِقْرَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا وَهِيَ: ظُهُورُ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّفَّيْنِ لِلْقِتَالِ مِنْ الْبُرُوزِ وَهُوَ الظُّهُورُ (فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ سُنَّتْ لَهُ) أَيْ: لِلْقَوِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُ لِلْأَمْرِ بِهَا فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا حِينَئِذٍ إضْعَافًا لَنَا وَتَقْوِيَةً لَهُمْ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا وَكَانَ الْمُبَارِزُ مِنَّا ضَعِيفًا فِيهِمَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَوْ كَانَ قَوِيًّا فِيهِمَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ (كُرِهَتْ) ، أَمَّا فِي الْأَوَّلَيْنِ؛ فَلِأَنَّ الضَّعِيفَ قَدْ يَحْصُلُ لَنَا بِهِ ضَعْفٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَيْنِ؛ فَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي تَعْيِينِ الْأَبْطَالِ وَذِكْرُ الْكَرَاهَةِ مِنْ زِيَادَتِي.

(وَجَازَ) لَنَا (إتْلَافٌ لِغَيْرِ حَيَوَانٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) كَبِنَاءٍ وَشَجَرٍ وَإِنْ ظُنَّ حُصُولُهُ لَنَا مُغَايَظَةً لَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [التوبة: ١٢٠] الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [الحشر: ٢] ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

تَعَالَى م ر (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ أَيْ: عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوبِ صَبْرِ مِائَةٍ لِمِائَتَيْنِ، اللَّازِمُ مِنْهُ وُجُوبُ صَبْرِ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ: فَاثْبُتُوا أَيْ: إنْ كَانُوا مِثْلَيْكُمْ.

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْصِرَافُهُ عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الثَّبَاتِ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَقِيَ مُسْلِمَانِ أَرْبَعَةً جَازَ لَهُمَا الْفِرَارُ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ جَمَاعَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَمَاعَةِ مَا مَرَّ فِي صَلَاتِهَا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمَانِ شَرْح م ر وَقَوْلُهُ: جَازَ لَهُمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: {إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} [الأنفال: ١٦] أَيْ: مُنْتَقِلًا عَنْ مَحَلِّهِ لِأَرْفَعَ مِنْهُ أَوْ أَصْوَبَ شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ: لِيَكْمُنَ أَيْ: يَخْتَفِيَ وَبَابُهُ دَخَلَ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: يُقَالُ انْحَرَفَ عَنْهُ وَتَحَرَّفَ عَدَلَ وَمَالَ، وَفِيهِ أَيْضًا انْحَازَ عَنْهُ انْعَزَلَ وَانْحَازَ الْقَوْمُ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ إلَى آخِرِ. اهـ.

(قَوْلُهُ:، وَيَهْجُمُ) بَابُهُ دَخَلَ أَيْضًا. اهـ. مُخْتَارٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُتَحَيِّزًا) أَيْ: ذَاهِبًا إلَى فِئَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لِيُقَاتِلَ مَعَ الْفِئَةِ؛ لِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الْعَوْدِ لِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ الِانْصِرَافَ، فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَالْجِهَادُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ شَرْحُ الرَّوْضِ أَيْ: فَيَلْزَمُهُ الْعَزْمُ عَلَى الْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا إلَّا هَذِهِ. اهـ. ع ب وَالْكَلَامُ فِيمَنْ تَحَرَّفَ أَوْ تَحَيَّزَ بِقَصْدِ ذَلِكَ، ثُمَّ طَرَأَ لَهُ عَدَمُ الْعَوْدِ أَمَّا جَعْلُهُ وَسِيلَةً لِذَلِكَ فَشَدِيدُ الْإِثْمِ إذْ لَا تُمْكِنُ مُخَادَعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَزَائِمِ. اهـ. م ر.

(قَوْلُهُ: إلَى فِئَةٍ) أَيْ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ: يَسْتَنْجِدُ بِهَا) أَيْ: يَسْتَنْصِرُ بِهَا عَلَى الْعَدُوِّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعِيدَةً) وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْبَعِيدَةِ بِأَنْ تَكُونَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ الْمَارِّ فِي التَّيَمُّمِ أَخْذًا مِنْ ضَبْطِ الْقَرِيبَةِ بِحَدِّ الْغَوْثِ وَلَوْ حَصَلَ بِتَحَيُّزِهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْجَيْشِ امْتَنَعَ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِحِلِّهِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ عَجْزًا يُحْوِجُهُ إلَى الِاسْتِنْجَادِ وَإِنْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلَى اشْتِرَاطِهِ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَبْعُدَا) الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ أَنْ يَكُونَا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُمَا الْغَوْثُ عِنْدَ الِاسْتِغَاثَةِ، وَبِالْقُرْبِ أَنْ يَكُونَا بِحَيْثُ يُدْرِكُهُمَا الْغَوْثُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ز ي، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي قَصْدِ التَّحَرُّفِ أَوْ التَّحَيُّزِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ: مُفَارَقَتِهِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ. (قَوْلُهُ: عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ) أَيْ: مُشَارَكَةِ الْمُتَحَرَّفِ.

. (قَوْلُهُ: بِلَا كُرْهٍ وَنَدْبٍ) أَيْ: فَهُوَ جَوَازُ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَتَمْتَنِعُ عَلَى مَدِينٍ وَفَرَّعَ مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي الْجِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْإِذْنِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَقِنٍّ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي خُصُوصِهَا م ر وَفِي سم الْكَرَاهَةُ وَمِثْلُهُ ز ي (قَوْلُهُ: فَإِنْ طَلَبَهَا إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَافِرَ إمَّا أَنْ يَطْلُبَهَا أَوْ لَا وَالْمُسْلِمُ إمَّا قَوِيٌّ أَوْ لَا، وَالْإِمَامُ إمَّا أَنْ يَأْذَنَ أَوْ لَا، فَالصُّوَرُ ثَمَانِيَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي أَرْبَعَةٍ تُبَاحُ فِي صُورَةٍ وَتُنْدَبُ فِي صُورَةٍ وَتُكْرَهُ فِي سِتَّةٍ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ) أَيْ: أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ: أَوْ كَانَ إلَخْ فِيهِ صُورَتَانِ فُتِحَتْ، إلَّا سِتَّ صُوَرٍ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَنَّ إلَخْ) أَيْ: فَيَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي فَإِنْ ظَنَّ إلَخْ. (قَوْلُهُ: مُغَايَظَةً لَهُمْ) هَذَا الدَّلِيلُ مَعَ الْآيَةِ يُفِيدُ نَدْبَ الْإِتْلَافِ لَا إبَاحَتَهُ، وَالْآيَةُ دَلِيلٌ لِلْمُعَلِّلِ مَعَ عِلَّتِهِ. قَوْلُهُ: {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا} [التوبة: ١٢٠] أَيْ: وَلَا

<<  <  ج: ص:  >  >>