للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تعليقة ولده عبد الرحمن (١) وفاة والدي الحافظ ابن كثير (٢) تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنَّتِهِ

تمرض أيامًا يسيرة مرضًا لا يشغلُه عن شهودِ الصَّلاة، ثُمَ ثَقُل في مرضه في أوائل شعبان من هذه السنة، وكان غالبُ ما حصل له من القُولَنّج (٣)، وبه ماتَ شيخُه الحافظُ أبي الحجَّاج المزِّي (٤)، ثم تقاصر عنه ذلك، وتماثل أمرُه فأَدْخلناه الحمّام بإشارة الأطباء، وذلك أنَّه عَسُرَت عليه الإراقة، ولم يزل كذلك إلى يوم الخميس الخامس عشر من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمئة وقت الثالثة قُبضت روحه وبلَّ بالرَّحمة ثراه، آمين - عن ثلاث وسبعين سنةً وشهورًا، فغُسِّل في سكنه بدرْبِ السّيرجي بالكُجُك، غَسْلُه، فما تم حتى امتلأت تلك النواحي خلائق، رجالًا ونساءً، وهم يَصْدَحُون بالبكاء والصُّراخ، فلما فرغ من الغُسلِ، أُخرج من البيت، وقد اجتمعَ النَّاسُ والأمراءُ على بابِ الدَّرْب منهم؛ الأمير زين الدّين زبالة، والأميرُ صارم الدّين البَيْدَمِري، والأمير ملَكَ ابن أُخت طاز، والأمير علاء الدّين بن الشّجاعي، وأمراء عشرات؛ منهم سيف الدّين أبي بكر بن بُراق، وأبو بكر بن زبالة، وغيرهما، وهم يحجزونَ النَّاسَ عن نَعْشه، وقد أمتلأتِ الطُّرقاتُ من هناك إلى الجامع، وامتلا الجامع وصحنُهُ والكلَّاسة وبابُ البريد، وبابُ السّاعات إلى اللبَّادين والنّوارة.


(١) في آخر شهر جمادى الآخرة من أحداث سنة (٧٧٠) هـ)، كتب عبد الرحمن بن إسماعيل بن عمر بن كثير المؤلف. "هذا آخر ما كتبه الشيخ بخطّه؛ ومن ها هنا أملى عليَّ، وأذن لي في تعليقه:
أملى عليَّ والدي الحافظ إسماعيل بن كثير - مد الله في أجله، وختم بالصالح عمله".
شهر رجب الفرد، الفرد، من سنة سبعين وسبعمئة، أوّله الجمعة .. " الخ.
(٢) تقدمّ ذكر مصادر ترجمته في مقدمة الكتاب.
(٣) القُولَنجُ: مرض معروف، وهو بضمّ القاف وإسكان الواو وفتح اللام. ويقال فيه: قولون. وليس بعربيّ. وهو مرض يحدث بالأمعاء، انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣/ ٢٧٩.
(٤) هو: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الشيخ الإمام العلامة الحافظ الكبير شيخ المحدّثين، وعمدة الحفاظ، أعجوبة الزمان أبو الحجاج القضاعي الكلبي الحلبي ثم الدمشقي المِزّي. وهو والد زوجة ابن كثير. توفّي سنة (٧٤٢ هـ) ترجمته في تاريخ ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٩٠، وتقدّم الكلام عليه في البداية والنهاية ١٦/ ٢٩٧.

<<  <   >  >>