للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[اتفاق أكثر المعاصرين على وجوب التداوي في بعض الأحوال]

إنني وإن كنت مطمئنًا للقول بأن الوجوب هو الأصل في التداوي بالمأمون من الأدوية عند غلبة الظن بنفعها من المرض المضر، أعلم أن هذه المسألة خلافية ولن ينحسم الخلاف فيها غالبًا لاختلاف السلف (١)، ولكن ينبغي التنبيه على أن أكثر العلماء المعاصرين متفقون على كون التداوي واجبًا في بعض الحالات.

وقد ذكر هذه الحالات الدكتور محمد البار في أحكام التداوي (٢) ومنها حالتان الوجوب فيهما شديد ولذلك لا يلزم فيهما إذن المريض (٣) وهما:

١ - حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب لخطر.

٢ - حالات الأمراض المعدية.

أما الحالة الأولى فدليلها قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]. وقوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].

والحالة الثانية دليلها قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرر ولا ضِرار» (٤).

ثم ذكر حالتين يكون فيهما الوجوب أقل ولذلك يلزم فيهما أخذ إذن المريض:

١ - إذا كان المرض يؤدي إلى إعاقة دائمة أو زمانة إذا لم يتداو.

٢ - مرض يطول ويشق على أهله بل والمجتمع تلبية حاجاته أثناء المرض.

ودليلهما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرر ولا ضِرار».


(١) نرى أن اختلافهم نابع في أكثره من اختلاف المحكوم عليه لما سبق بيانه من الفرق بين الدواء في زمانهم وما هو عليه الآن، والله أعلم.
(٢) مختصر من «أحكام التداوي» (ص ١٨ - ٢٢).
(٣) قرار المجمع الفقهي باستثناء الإذن في هاتين الحالتين (دورة المؤتمر السابع بجُدَّة من ٧ - ١٢ ذو القعدة رقم ٦٩/ ٥/٧).
(٤) حديث شريف وأيضًا قاعدة فقهية كلية: «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢/ ٧٨٤)، «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيحَيْن» كتاب البيوع (٢/ ٦٦). ورواه أيضًا مالك في «المُوَطَّأ»، وأحمد في «المسند»، والبَيْهَقِيّ في «الكُبْرَى»، وآخرون. وحسنه النووي في «الأربعين»، وصححه الألبَانِيّ لكثرة طرقه. انظر «الإرواء» برقم ٨٩٦ و «سُنَن ابن مَاجَه» بتحقيق مشهور برقم (٢٣٤٠)، «صَحِيح الجَامِع» برقم (٧٥١٧). والحديث، وإن تكلم البعض في سنده، إلا أن سنده محتمل للتحسين، وعَمَلُ الفقهاء عليه، ونصوص الوحيين شاهدة له، بل يشهد له دين الإسلام كله.

<<  <   >  >>