للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم، وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم، ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر. وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار (١).

فأنت ترى كيف يرجح الإمام أحمد مصلحة الطاعة والجماعة، وحقن دماء المسلمين على مصلحة المواجهة والخروج والثورة على الخليفة. وأن هذا الموقف إنما هو الإلتزام بالوصية النبوية الغالية، والوقوف عند حدود ما دلت عليه الآثار، وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمناصحة للخلفاء ولغيرهم، على الوجه المشروع، وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالة الله إليهم، وأنه لا يترك ذلك جبناً، ولا بخلاً، ولا خشية لهم، ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله، ولا يفعل ذلك أيضاً للرئاسة عليهم، ولا على العامة، ولا للحسد، ولا للكبر، ولا للرياء لهم، ولا للعامة. ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالسلاح، وتظهر الفتن، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي يربي على فساد ما يكون من ظلمهم، بل يطاع الله فيهم، وفي غيرهم، ويفعل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه (٢).

وإذا كان هذا موقف أحمد من الواثق الذي كان أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً (٣)، فكيف يكون من المأمون والمعتصم اللذَّيْن كانا أهون، لولا أنهما فتحا باب الفتنة، وبدأا بالمحنة؟ قال القاضي أبو يعلى: وقد روي عنه -أي الإمام أحمد- في كتاب "المحنة" أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، في غير موضع، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه (٤).


(١) الآداب الشرعية، لإبن مفلح، ١/ ١٩٦. والسير ١١/ ٢٦٣.
(٢) مجموع الفتاوي ٣٥/ ٢١.
(٣) البداية والنهاية ١٤/ ٣١١.
(٤) الأحكام السلطانية، للقاضي أبي يعلى، ص ٢٠، ط. الكتب العلمية، ١٩٨٣.