للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَعَلَى هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ تَرَتَّبَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْقَائِلَ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا يَنْوِي فِي أَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ نُقِلَ إلَى الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الثَّلَاثُ فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ وَأَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ فَلَا تُسْمَعُ فِيهَا النِّيَّةُ لِلْقَاعِدَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ.

وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَيُرِيدُ اثْنَتَيْنِ لَا تُسْمَعُ نِيَّتُهُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِي الْفَتْوَى أَوْ يُرِيدُ أَنَّهَا طَلُقَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الْوَلَدِ فَتُسْمَعُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَدْخَلَ النِّيَّةَ فِي لَفْظِ الْعَدَدِ فَامْتَنَعَ، وَالثَّانِيَ أَدْخَلَ النِّيَّةَ فِي اسْمِ جِنْسِ الطَّلَاقِ فَحَوَّلَهُ لِطَلْقِ الْوَلَدِ وَبَقِيَ الْعَدَدُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي تَحَوَّلَ إلَيْهِ اللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِالنِّيَّةِ فَدَخَلَ الْمَجَازُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ لَا فِي الْعَدَدِ، وَالْمَجَازُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ جَائِزٌ بِخِلَافِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ فَقُبِلَتْ النِّيَّةُ فِي رَفْعِ الطَّلَاقِ بِجُمْلَتِهِ لِتَحْوِيلِهِ لِجِنْسٍ آخَرَ، وَلَمْ تُقْبَلْ فِي رَفْعِ بَعْضِهِ.

وَهَذَا يَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ بُطْلَانُهُ، وَأَنَّ النِّيَّةَ إذَا قُبِلَتْ فِي رَفْعِ الْكُلِّ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ فِي رَفْعِ الْبَعْضِ وَالسِّرُّ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

فَإِنْ قُلْتَ مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْحَقِّ مُتَعَيَّنٌ اتِّبَاعُهُ فَمَا سَبَبُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَيْفَ سَاغَ الْخِلَافُ مَعَ وُضُوحِ هَذَا الْمُدْرَكِ وَقُلْت سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اخْتِلَافُهُمْ فِي تَحْقِيقِ وُقُوعِ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ هَلْ وُجِدَ فَيُتَّبَعُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فَيُتَّبَعُ مُوجَبُ اللُّغَةِ، وَإِذَا وُجِدَ النَّقْلُ فَهَلْ وُجِدَ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ فَقَطْ أَوْ فِيهِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ مَعَ الْعَدَدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ نَقْلٌ عُرْفِيٌّ وَبَقِيَ مُوجَبُ اللُّغَةِ فَهَلْ يُلَاحَظُ نُصُوصٌ اقْتَضَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَمْ لَا أَوْ الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ الْمُدْرَكُ هُوَ الْقِيَاسُ لَا النَّصُّ فَهَذَا هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَدَارِكِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ وُجُودُهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَاتَّضَحَ عِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ.

وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِهَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْحُكْمِ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ صِحَّةِ هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَبَيْنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُودِهَا وَتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْت فَلَعَلَّ مُدْرَكَ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

قَالَ (وَعَلَى هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ تَرَتَّبَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْقَائِلَ: أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا يَنْوِي فِي أَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ إلَى قَوْلِهِ لِلْقَاعِدَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ أَنْتِ حَرَامٌ وَطَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ثَبَتَ فِيهَا عُرْفٌ إمَّا شَرْعِيٌّ أَوْ لُغَوِيٌّ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ قَبْلُ.

قَالَ (وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَيُرِيدُ اثْنَتَيْنِ لَا تُسْمَعُ نِيَّتُهُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِي الْفُتْيَا، أَوْ يُرِيدُ أَنَّهَا طَلُقَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الْوَلَدِ فَتُسْمَعُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَدْخَلَ النِّيَّةَ فِي لَفْظِ الْعَدَدِ فَامْتَنَعَ، وَالثَّانِيَ أَدْخَلَ النِّيَّةَ فِي اسْمِ جِنْسِ الطَّلَاقِ فَحَوَّلَهُ لِطَلْقِ الْوَلَدِ، وَبَقِيَ الْعَدَدُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي تَحَوَّلَ إلَيْهِ اللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى قَوْلِهِ وَالسِّرُّ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (فَإِنْ قُلْتَ مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْحَقِّ مُتَعَيَّنٌ اتِّبَاعُهُ فَمَا سَبَبُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَى قَوْلِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ صِحَّةِ هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَبَيْنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُودِهَا وَتَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا) قُلْتُ: مَا قَالَهُ هُنَا مُتَّجَهٌ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ سَبَبَ اخْتِلَافِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ (فَإِنْ قُلْتَ فَلَعَلَّ مُدْرَكَ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. وَثَانِيهِمَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ إخْبَارَاتٍ عَنْ إرَادَةِ الْعِقَابِ لَلَزِمَ إمَّا وُجُوبُ عِقَابِ كُلِّ عَاصٍ، وَإِمَّا الْخُلْفُ، وَالثَّانِي مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى حُصُولِ الْعَفْوِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَلِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: ٢٥] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلِلصُّورَةِ الثَّالِثَةِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى جَزَاءِ الصَّيْدِ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ٩٥] ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَاجِبُ فِي الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنْ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ وَيَقَعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَالِاجْتِهَادُ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ سَعْيٌ فِي تَخْطِئَةِ الْمُجْمِعِينَ فَيَكُونُ الْعَامُّ مَخْصُوصًا بِصُوَرِ الْإِجْمَاعِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ فِي زَمَانِنَا يُنْشِئَانِ الْإِلْزَامَ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ، وَيَكُونُ مُدْرَكُهُمَا فِي ذَلِكَ هُوَ الْإِجْمَاعُ فِي الصُّورَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَالنُّصُوصُ وَالْأَقْيِسَةُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهَا فَالْحُكْمُ فِي زَمَانِنَا عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ، وَالنَّصُّ بَاقٍ عَلَى الْعُمُومِ وَلَا حَاجَةَ لِتَخْصِيصِهِ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ وَبَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ إنْشَاءٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ أَوْ لِنَفْسِ تِلْكَ الْإِبَاحَةِ وَالْإِطْلَاقِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَحُكْمِ الْحَاكِمِ بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ وَالْفَتْوَى بِذَلِكَ إخْبَارٌ صِرْفٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ مُلْزِمٌ وَالْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ، وَأَنَّ نِسْبَتَهُمَا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ كَنِسْبَةِ نَائِبِ الْأَحْكَامِ وَالْمُتَرْجِمِ عَنْهُ فَنَائِبُهُ يُنْشِئُ أَحْكَامًا لَمْ تُقَرَّرْ عِنْدَ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ يُنْشِئُهَا عَلَى قَوَاعِدِهِ كَمَا يُنْشِئُهَا الْأَصْلُ.

وَلَا يَحْسُنُ مِنْ مُسْتَنِيبِهِ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ وَلَا يُكَذِّبَهُ بَلْ يُخَطِّئُهُ أَوْ يُصَوِّبُهُ بِاعْتِبَارِ الْمُدْرَكِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ، وَالْمُتَرْجِمُ يُخْبِرُ عَمَّا قَالَهُ الْحَاكِمُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ كَلَامَ الْحَاكِمِ لِعُجْمَتِهِ

<<  <  ج: ص:  >  >>