للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الضَّيْفِ وَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْجَارِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَيِّتِ الَّتِي يَقْتَضِي مِثْلُهَا أَنْ لَا يَمُوتَ فَإِنَّ بِمَوْتِهِ هَذِهِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ وَيَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَيَعْظُمُ التَّفَجُّعُ عَلَى فَقْدِ مِثْلِهِ وَأَنَّ الْحِكْمَةَ كَانَتْ تَقْتَضِي بَقَاءَهُ وَتَطْوِيلَ عُمْرِهِ لِتَكْثِيرِ تِلْكَ الْمَصَالِحِ فِي الْعِلْمِ فَمَتَى كَانَ لَفْظُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى هَذَا كَانَ حَرَامًا، وَهَذَا أَشَرُّ النُّوَاحِ وَتَارَةً لَا تَصِلُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ غَيْرَ أَنَّهُ تَبْعُدُ السَّلْوَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَتَهِيجُ الْأَسَفَ عَلَيْهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ وَقِلَّةِ صَبْرِهِمْ وَضَجَرِهِمْ، وَرُبَّمَا بَعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْقُنُوطِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ فَهَذَا أَيْضًا حَرَامٌ، وَمَتَى كَانَ لَفْظُ النَّائِحَةِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ ذِكْرُ دِينِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى جَزَاءِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ وَمُجَاوَرَةِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ مَا قَضَى عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ، وَأَنَّ هَذَا سَبِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَوْطِنٌ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، وَبَابٌ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَأْمُرَ أَهْلَ الْمَيِّتِ بِالصَّبْرِ، وَتَحُثَّهُمْ عَلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَأَنَّهُمْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْتَسِبُوا مَيِّتَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَيَعْتَمِدُونَ فِي حُسْنِ الْخَلَفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مَأْمُورٌ بِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ تَتَخَرَّجُ الْمَرَاثِي فَتَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى الْمُحَرَّمَةِ الْكَبِيرَةِ وَإِلَى الْمُحَرَّمَةِ الصَّغِيرَةِ وَإِلَى الْمُبَاحِ وَإِلَى الْمَنْدُوبِ عَلَى قَدْرِ مَا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الْمَرْثِيَّةِ فَمِنْ الْمَرَاثِي الْمُبَاحَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ التَّحْرِيمِ مَا رَثَى بِهِ ابْنُ عُمَرَ أَخَاهُ عَاصِمًا لَمَّا مَاتَ فَقَالَ:

فَإِنْ تَكُ أَحْزَانٌ وَفَائِضُ دَمْعَةٍ ... جَرَيْنَ دَمًا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ مُنْقَعَا

تَجَرَّعْتهَا فِي عَاصِمٍ وَاحْتَسَبْتهَا ... فَأَعْظَمُ مِنْهَا مَا احْتَسَى وَتَجَرَّعَا

فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا ... فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا

دَفَعْنَا بِك الْأَيَّامَ حَتَّى إذَا أَتَتْ ... تُرِيدُك لَمْ نَسْطِعْ لَهَا عَنْك مِدْفَعَا

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

رَضِيَك النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِدِينِنَا مُطْلَقَ الرِّضَا بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً بَلْ الرِّضَا الْخَاصُّ الْمُفَسَّرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ مِنْ نَحْوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِهِ الَّتِي تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ وَمِنْ تَقْدِيمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّلَاةِ وَمِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مَرَضِ مَوْتِهِ «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَاكَ لِلْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُشِيرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخِلَافَةِ كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِلصَّلَاةِ فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِلْخِلَافَةِ.

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَحَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وُكِّلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الِاجْتِهَادِ وَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُشِيرُ وَيُومِئُ بِاخْتِصَاصِهِ بِأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ إلَى خِلَافَتِهِ، أَوْ يُقَالُ قَصَدَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ تَسْكِينَ الثَّائِرَةِ وَالْفِتْنَةِ وَرَدْعَ الْأَهْوَاءِ بِذِكْرِ حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ لِيَسْكُنَ لَهَا أَكْثَرُ النَّاسِ فَيَنْدَفِعَ الْفَسَادُ أَوْ يُقَالُ إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهِمَ مِنْ إشَارَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الصِّدِّيقَ مَرْضِيٌّ لِجَمِيعِ حُرُمَاتِ الدِّينِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَحْوَالُ الْأُمَّةِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمِلَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ أَهَمِّ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَهُوَ مِنْ الدِّينِ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ لِدِينِنَا عَلَى بَابِهَا مُوجِبٌ لِلْعُمُومِ لِكَوْنِ الْأُصُولِيِّينَ جَعَلُوهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لُغَةً فِي نَحْوِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَكَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي جَمِيعِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَيْتَتِهِ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا أَيْ مِنْ الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ فَلَا نُقَدِّمُ عَلَيْك مِنْ الْأَنْصَارِ مَنْ يَطْلُبُ التَّقَدُّمَ عَلَيْك فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ مِنْ تَحْصِيلِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ لِمُتَوَلِّي أَمْرِ الْأُمَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَا نُشْرِكُ مَعَك مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ الشَّرِكَةَ فِيهِ طَمَعًا لِتَحْصِيلِ بَعْضِ تِلْكَ الْأُجُورِ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَحْوَالِ الْأَنْصَارِ فِي بَذْلِهِمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ الْمَرْضِيَّ لِمَعَالِي الْأُمُورِ لَا يَقْصُرُ دُونَ خَسِيسِهَا.

وَلِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْإِمَامَةِ لَيْسَتْ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: ٤٤] إنَّهُ الْخِلَافَةُ وَإِنَّهُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لِيَنْصُرُوهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ وَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِك فَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي قَدْ مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: ٤٤] » فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الشَّأْنِ شَيْءٌ كَمَا هُوَ مُسْتَوْعَبٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّا بِالْقَيْرَوَانِ وَإِنَّا نَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْفُتْيَا، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْإِمَامَةِ أَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ

[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ]

(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَانِ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالرَّوَافِعُ لِلْأَسْبَابِ لَا تُعْتَبَرُ) الْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا مُلْغًى فَكُلُّ سَبَبٍ شَكَكْنَا فِي طَرَيَانِهِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ مُسَبِّبَهُ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ السَّبَبَ كَالْمَعْدُومِ وَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَلَا نُرَتِّبُ

<<  <  ج: ص:  >  >>