للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْجَبَّارِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ تَعَلُّمَ صَرِيحِ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَإِنَّ الْأُصُولِيَّ يَتَعَلَّمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لِيَحْذَرَ مِنْهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ وَمَأْخَذِهِ، فَالسِّحْرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا، وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ إنَّمَا تَعَلَّمْت كَيْفَ يُكْفَرُ بِاَللَّهِ لِأَجْتَنِبَهُ أَوْ كَيْفَ الزِّنَا، وَأَنْوَاعِ الْفَوَاحِشِ لِأَجْتَنِبَهَا لَمْ يَأْثَمْ قُلْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ عَلَى أُصُولِنَا فَإِنَّ السَّحَرَةَ يَعْتَمِدُونَ أَشْيَاءَ تَأْبَى قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَكْفِيرَهُمْ بِهَا كَفِعْلِ الْحِجَارَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَلِكَ يَجْمَعُونَ عَقَاقِيرَ وَيَجْعَلُونَهَا فِي الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ أَوْ زِيرِ الْمَاءِ أَوْ فِي قُبُورِ الْمَوْتَى أَوْ فِي بَابٍ يُفْتَحُ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْآثَارَ تَحْدُثُ عِنْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْآثَارِ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

الْجَبَّارِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ تَعَلُّمَ صَرِيحِ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَإِنَّ الْأُصُولِيَّ يَتَعَلَّمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لِيَتَحَذَّرَ مِنْهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ وَمَأْخَذِهِ فَالسِّحْرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا، وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ إنَّمَا تَعَلَّمْتُ كَيْفَ يُكْفَرُ بِاَللَّهِ لِأَجْتَنِبَهُ أَوْ كَيْفَ الزِّنَا وَأَنْوَاعَ الْفَوَاحِشِ لِأَجْتَنِبَهَا لَمْ يَأْثَمْ.

قَالَ شِهَابُ الدِّينِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ عَلَى أُصُولِنَا فَإِنَّ السَّحَرَةَ يَعْتَمِدُونَ أَشْيَاءَ تَأْبَى قَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَكْفِيرَهُمْ بِهَا كَفِعْلِ الْحِجَارَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَذَلِكَ يَجْمَعُونَ عَقَاقِيرَ وَيَجْعَلُونَهَا فِي الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ أَوْ زِيرِ الْمَاءِ أَوْ قُبُورِ الْمَوْتَى أَوْ فِي بَابٍ يَفْتَحُ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْآثَارَ تَحْدُثُ عِنْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْآثَارِ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَمَا رَآنِي أَزْنِي ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، وَإِنْ لَاعَنَ مِنْ دَعْوَى لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَحْدَهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ زَادَ فِي الْأَرْبَعِ، وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مَتَى، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ، وَأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ، وَيَقُولُ فِي اللِّعَانِ إذَا اعْتَمَدَ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحْدَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ لَقَدْ اسْتَبْرَأْتهَا مِنْ كَذَا فَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا مَعَ ذِكْرِهِمَا مَعًا فِي الْأَرْبَعِ الْأَيْمَانِ، وَإِنْ لَاعَنَ مِنْ دَعْوَى الْغَصْبِ قَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَأَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ.

وَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَتَقُولُ الْمُغْتَصَبَةُ إذَا الْتَعَنَتْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا زَنَيْت، وَلَا أَطَعْت، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ إنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَلَفْظُ اللَّعْنِ، وَالْغَضَبِ بَعْدَهَا، وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ، وَالْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ، وَقَدْ جُومِعَتْ تُلَاعِنُ زَوْجَهَا لِأَنَّ مَنْ قَذَفَهَا يُحَدُّ، وَالْمَشْهُورُ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ التَّحَالُفِ دُونَ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَقَعُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا.

وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ اللِّعَانِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْرَيَا عَلَى سُنَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا.

وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَّقَهَا الْإِمَامُ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ مُرَاجَعَتِهَا بَعْدَ زَوْجٍ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ، وَفُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثَلَاثًا وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، وَفِي الْجَلَّابِ فُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَفَادَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ -

(الْبَابُ التَّاسِعُ) فِي بَيَانِ مَا فِيهِ تَكُونُ الْقَسَامَةُ وَصِفَتُهَا وَفِيهِ وَصْلَانِ

(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَسَامَةُ مُوجِبَةٌ مَعَ اللَّوْثِ لِلْقَتْلِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَلَا قَسَامَةَ فِي الْأَطْرَافِ، وَلَا فِي الْجِرَاحِ، وَلَا فِي الْعَبِيدِ، وَلَا فِي الْكُفَّارِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ اللَّوْثُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ الْمُرَادُ الْوُجُوهُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّلْوِيثُ وَالتَّلْطِيخُ فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَمَعَ كَثْرَتِهَا لَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى التَّمَكُّنِ مِنْ الدِّمَاءِ لِعِظَمِ خَطَرِهَا وَرَفِيعِ قَدْرِهَا فَوَجَبَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا إلَّا لِمَنْ فِيهَا مَالَهُ قُوَّةٌ لِأَجْلِ مَا أُضِيفَ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ عَلَى صِدْقِ مُدَّعِيهِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَا يُقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ فَعِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوِّيَ جِهَةَ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَلَا تَأْثِيرَ فِي نَقْلِ الْيَمِينِ إلَى جِهَةِ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ يَقْسِمُ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرُ الْعَدْلِ، وَمَعَ الْمَرْأَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ لَيْسَ بِلَوْثٍ.

وَوَجْهُهُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ لَوْثٌ فَلَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ الْعَدَالَةَ كَاَلَّذِي يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ بَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا، وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ، وَقِيلَ تَقْسِمُ مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانُ وَالْقَوْمُ لَيْسُوا بِعُدُولٍ فَإِذَا وَقَعَتْ الْقَسَامَةُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ بِالْجَوَازِ اسْتَحَقَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الدَّمَ قَالَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوَدَ إنَّمَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا حُكْمَ لِلشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ الْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْدَانِ الَّتِي لَا تَسْتَحِقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنَّمَا الْوَاحِدُ لَوْثٌ وَلُطِّخَ بِقُوَى الدَّعْوَى فِي إبَاحَةِ الْقَسَامَةِ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينُ الَّذِي فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِي قَسَامَةِ الْعَمْدِ إلَّا رَجُلَانِ فَصَاعِدًا أَوْ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِنِسَاءٍ، وَلَا حُكْمَ لِلْوَاحِدِ لِأَنَّهُمَا أُقِيمَا

<<  <  ج: ص:  >  >>