للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

يتنافى مع القول يخلق الإنسان أفعال نفسه ومع القول بالقوة المودعة، لأن القول بهاتين الفكرتين يؤدي إلى القول بأن الله عز وجل خلق الأسباب والمسببات وتركها تجري بما أودعه فيها دون أن يكون له تدخل مباشر فيما يجري، وأين هذا من فكرة الدعاء وفكرة التوكل؟ وأين هذا من النصوص وما أكثرها؟ لو أنك تأملت فاتحة الكتاب وحدها لرأيت فيها أكثر من دليل على مذهب أهل السنة والجماعة، فقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (١) يفيد أن كل أنواع الحمد لله لأنه هو الفاعل على الحقيقة فهو المستحق للحمد، وأي حمد إنما ينبغي أن يكون له، فإذا حمدت إنساناً على شيء فإن هذا الشيء بالله ومن الله، فالله هو المستحق للحمد وحده، وهذا يشهد لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (٢) فيه دليل لأهل السنة والجماعة، فكيف نستعين به على العبادة إذا لم يكن له تدخل فيما يجري، وقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (٣) دليل لأهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، فلو لم تكن الهداية بيده فكيف تطلبها منه في اليوم كذا مرة، إن نصوص الكتاب والسنة تشهدان لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن كل ما يجري بإمداد الله وبفعله. ولكون القول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولكون القول بالقوة المودعة يخدش الإيمان بالقدر فقد تأتى أهل السنة والجماعة المعتزلة "بالقدرية" أي نفاة القدر واعتبروهم امتداداً لنفاة القدر بالكامل.

فالإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بأن الله عز وجل علم أزلاً فأراد أزلاً فأبرز بقدرته وسجل ذلك في اللوح المحفوظ، وما يجري الآن وما سيجري كل ذلك أثر علمه وإرادته وقدرته وعلى مقتضى ما سجله في اللوح المحفوظ.

وإذ كان موضوع القدر تتفرع عنه مسائل كثيرة، وينبثق عن أصول كبيرة، والدخول في تفصيلاته يدخلنا في هذه المسائل والأصول، وليس كل إنسان مؤهلاً للخوض في ذلك والوصول إلى شاطئ السلامة في هذا الشأن؛ فقد كُرِه الخوض في القَدَر إلا بالقدر الذي


(١) الفاتحة: ٢.
(٢) الفاتحة: ٥.
(٣) الفاتحة: ٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>