للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَاعِدِ وَقَاعِدَةِ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ مُرَكَّبٌ فِيهِمَا أَنَّ تَخْصِيصَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْفِعْلُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا بُدَّ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ مَعْنًى لَاحَظَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الزَّوَالِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَتْ الْأَوْقَاتُ الْمُعَيَّنَةُ إنَّمَا خُصِّصَتْ بِالْعِبَادَةِ لِأَجْلِ مَصَالِحَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا يُشْرَعَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهَا لِعَدَمِ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

قَالَ: (فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَقَاعِدَةِ إنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ) . قُلْت لَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مُحَصِّلٍ، وَيَحِقُّ إنْ كَانَ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ قَالَ (وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ مُرَكَّبٌ فِيهِمَا أَنَّ تَخْصِيصَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْفِعْلُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَلَا بُدَّ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ مَعْنًى لَاحَظَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الزَّوَالِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى) .

قُلْت: رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَقْلًا فَيَجُوزُ عَقْلًا شَرْعُ أَمْرٍ مَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فِيهِ إلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْمَصَالِحِ الْمَنَافِعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُنْيَوِيَّةً كَانَتْ أَوْ أُخْرَوِيَّةً فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْمَنَافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ خَاصَّةً فَذَلِكَ مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعَقْلِ لَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَى رِعَايَةِ مَصَالِحِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ فَأَمَّا رِعَايَتُهَا فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ فَلَا أَعْلَمُ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ رِعَايَةُ الشَّارِعِ الْمَصَالِحَ بِحُكْمٍ مِنْهُ شَرْعِيٍّ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ.

قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الْأَوْقَاتُ الْمُعَيَّنَةُ إنَّمَا خُصِّصَتْ بِالْعِبَادَاتِ لِأَجْلِ مَصَالِحَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا يُشْرَعَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهَا لِعَدَمِ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

الْأَوَّلِ هُوَ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً وَمَعْنَى كَوْنِهَا كُلِّيَّةً أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا جَمِيعُ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي كُلِّ شَخْصٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ وَمَا كَانَ مِنْهَا مَشْرُوعًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى إقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ وَمَعْنَى شَرْعِيَّتِهَا ابْتِدَاءً أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِهَا إنْشَاءَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلَى الْعِبَادَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَلَا يَسْبِقُهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ حُكْمًا كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْأَخِيرِ النَّاسِخِ لِمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ كَالْحُكْمِ الِابْتِدَائِيِّ تَمْهِيدًا لِلْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ تَكُونُ مَفْقُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَتْ اقْتَضَتْ أَحْكَامًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة: ١٠٤] وقَوْله تَعَالَى {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: ١٠٨] وقَوْله تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: ١٩٨] وقَوْله تَعَالَى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: ٢٠٣] .

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ تَمْهِيدًا لِأَحْكَامٍ وَرَدَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ الْعُمُومَاتِ وَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: ٢٢٩] وقَوْله تَعَالَى {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: ١٩] وقَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: ٥] «وَنَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعَزَائِمِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ وَهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ الْأَرْبَعَةُ لِلرُّخْصَةِ وَمَا يُقَابِلُهَا لِلْعَزِيمَةِ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ وَهُوَ الرَّابِعُ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ وَهُوَ مَا عَدَا الرَّابِعَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَرَّرَ وَهَذَا وَاخْتُلِفَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا حُكْمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ الْأَصْلُ هُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَنْجِيسِ الطَّاهِرِ مُلَاقَاتُهُ لِلنَّجَسِ إجْمَاعًا تَقْتَضِي أَنَّا إذَا صَبَبْنَا الْمَاءَ مِنْ الْإِبْرِيقِ مَثَلًا عَلَى النَّجَاسَةِ لِنُزِيلَهَا تَنَجَّسَ الْجُزْءُ الْوَاصِلُ إلَى النَّجَاسَةِ الْمُتَّصِلِ بِهَا لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ فَيَتَنَجَّسُ الَّذِي يَلِيهِ لِمُلَاقَاتِهِ لَهُ.

وَهَكَذَا حَتَّى يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي دَاخِلُ الْإِبْرِيقِ بَلْ يَنْجُسُ مَاءُ الْبَحْرِ الْمَالِحِ إذَا وَضَعْنَا النَّجَاسَةَ فِي طَرَفِهِ فَلَمَّا قَضَى الشَّرْعُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ وَأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَفْسُدْ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ اسْتَثْنَاهَا مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الرُّخَصِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْعَزَائِمِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ لَا عَلَى خِلَافِهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْضِ

<<  <  ج: ص:  >  >>