للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَذَلِكَ فَلَا يُتْرَكُ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ لِهَذَا الضَّعِيفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ

(وَثَانِيهَا) أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِيمَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَاعْتِبَارُ النِّيَّاتِ فِي الْأَلْفَاظِ أَمْرٌ يَتْبَعُ اللُّغَةَ أَلَا تَرَى أَنَّ اللُّغَةَ لَمَّا لَمْ تُجَوِّزْ النِّيَّةَ فِي صَرْفِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إلَى الْمَجَازَاتِ امْتَنَعَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلِقَ الْعَشَرَةَ وَتُرِيدَ بِهَا التِّسْعَةَ

(وَثَالِثُهَا) أَنَّهُ لَوْ صَحَّ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ لَصَحَّ الْمَجَازُ فِي كُلِّ لَازِمِ الْمُسَمَّى بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ إلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسَدَ يَلْزَمُهُ أَوْصَافٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْبَخَرِ وَالْحُمَّى وَالْوَبَرِ وَكِبَرِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ التَّجَوُّزُ عَنْهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الشَّجَاعَةِ خَاصَّةً وَلَا يَصِحُّ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى تُصْرَفَ لِلْمَجَازِ لِأَنَّا نَشْتَرِطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَازِ وَهُوَ مَجَازُ الْمُشَابَهَةِ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمُشَابَهَةُ أَظْهَرَ صِفَاتِ الْمَحَلِّ الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى مَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت أَكْلًا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ بَعْضَ الْمَآكِلِ وَيُخْرِجَ الْبَعْضَ بِنِيَّتِهِ مَعَ أَنَّ أَكْلًا مَصْدَرٌ وَأَجْمَعَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ بَعْدَ الْفِعْلِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ ضَرَبْت ضَرْبًا فَإِنَّ الْفِعْلَ دَلَّ عَلَيْهِ فَذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَكْرَارًا لِذِكْرِهِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ وَالتَّأْكِيدُ حَقِيقَتُهُ تَقْوِيَةُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَإِلَّا لَكَانَ إنْشَاءً لَا تَأْكِيدًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّأْكِيدُ مُنْشِئًا كَانَتْ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ مَعَهُ ثَابِتَةً قَبْلَهُ لَكِنَّ الثَّابِتَ مَعَهُ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فَالثَّابِتُ قَبْلَهُ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ

(وَثَانِيهَا) أَنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُطَابَقَةِ إجْمَاعًا مَعَ قُوَّةِ الْمُعَارِضِ فَأَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ مَعَ ضَعْفِ الْمُعَارِضِ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْمُطَابَقَةَ أَقْوَى مُعَارَضَةً لِلنِّيَّةِ لِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهَا إنَّمَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ تَبَعًا لَهَا وَالْأَصْلُ أَقْوَى مِنْ التَّابِعِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا عَارَضَتْ النِّيَّةُ الْمُطَابَقَةَ وَصَرَفَتْ اللَّفْظَ عَنْ مَدْلُولِهِ الْمُطَابِقِيِّ لِلْمَجَازِ صَحَّ إجْمَاعًا مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي مُسَمَّاهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَقَدْ قُدِّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِيِّ وَهُوَ أَقْوَى فِي الْمُعَارَضَةِ مِنْ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَأَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَيُصْرَفَ عُمُومُ اللَّازِمِ إلَى خُصُوصِهِ وَتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ وَجَمِيعِ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهُوَ الْمَطْلُوبُ

(وَثَالِثُهَا) أَنَّا وَجَدْنَا الِاسْتِثْنَاءَاتِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ دَخَلَتْ عَلَى الْعَوَارِضِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ وَاللَّوَازِمِ وَلَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ إنَّمَا هُوَ فَرْعٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ لِأَجْلِهِ الِاسْتِثْنَاءُ فَإِنَّ اللَّفْظَ تَابِعٌ لِإِرَادَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ إفْهَامُ السَّامِعِ مَا فِي نَفْسِ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

قَالَ

(وَثَانِيهَا إلَى آخِرِ احْتِجَاجِهِمْ) قُلْت ذَلِكَ نَقْلٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ قَالَ (وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ إلَى آخِرِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ) قُلْت هَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ جَيِّدَةٌ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

وَأَبَدِيَّتِهِ إذْ لَا فَرْقَ سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْقِدَمَ نَفْسِيًّا زَاعِمًا أَنَّهُ الْوُجُودُ الْأَزَلِيُّ وَكَذَا الْبَقَاءُ أَيْ الْوُجُودُ الْمُسْتَمِرُّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ نَعَمْ قَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْقِدَمَ وَالْبَقَاءَ مِنْ الْمَعَانِي وَرُدَّ بِأَنَّهُمَا ثَابِتَانِ لِصِفَاتِهِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى مِنْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ فِيهِمَا كَمَا فِي الْأَمِيرِ أَيْضًا هَذَا تَحْقِيقُ الْمَقَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْهَا أَعْنِي الْمَعْنَوِيَّةَ نِسْبَةً لِلْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ وَالْوَاحِدُ اُذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ مَا لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا فِي الْوَضْعِ نَعَمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا وَافَقَ وَاحِدًا فِي الْوَضْعِ فَإِذَا عَبَّرَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ بِصِفَاتِ الْمَعَانِي وَقَالَ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْوُسْطَى الْإِضَافَةُ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي لِلْبَيَانِ وَأَنَّ الْمُرَادَ الصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ نَفْسُ الْمَعَانِي يَعْنُونَ بِهَا الْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةَ كَالْعِلْمِ مَثَلًا وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ مِنْ كَثَوْبِ خَزٍّ اهـ.

وَلَمْ يُعَبِّرُوا بِالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَهِيَ سَبْعَةٌ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِهَا ابْتِدَاءً وَأَنَّ الْحَلِفَ بِهَا مَعَ الْحِنْثِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ أَيُّوبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك» كَمَا مَرَّ وَقِيلَ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَلَفْظُ اللَّهِ مَخْصُوصٌ بِالذَّاتِ فَانْدَرَجَتْ الصِّفَاتُ فِي الْمَأْمُورِ بِالصَّمْتِ بِهِ لَكِنْ قَدْ مَرَّ عَنْ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ قَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ فِي الْحَدِيثِ بِالِاسْمِ فَقَطْ أَيْ دُونَ أَنْ يُعَدَّى إلَى الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ جُمُودٌ كَثِيرٌ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي الْمَذْهَبِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ اهـ.

وَفِي هَذَا الْقِسْمِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)

مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ تَجِبُ بِهِ مَعَ الْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَمُسْتَنَدُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْحَادِثِ وَمُسْتَنَدُ مَالِكٍ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْعُرْفِ الْحَادِثِ إلَّا أَنَّ قَرِينَةَ

<<  <  ج: ص:  >  >>