للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْعُرْفِ الطَّارِئِ.

وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْعُرْفُ لِلضِّدِّ، بَلْ بَطَلَ فَقَطْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِيرَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحًا، بَلْ تَحْتَاجُ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِهَا إلَى النِّيَّةِ وَيَلْزَمُ أَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُفْتِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْعُرْفِ الَّذِي رُتِّبَتْ الْفُتْيَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الْعُرْفُ أَفْتَاهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ حَالِ عُرْفِ بَلَدِهِ مِنْ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ عَلَى الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ الْعَوَائِدَ لَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا بَيْنَ الْبِلَادِ خُصُوصًا الْبَعِيدَةِ الْأَقْطَارِ وَيَكُونُ الْمُفْتِي فِي كُلِّ زَمَانٍ يَتَبَاعَدُ عَمَّا قَبْلَهُ يَتَفَقَّدُ الْعُرْفَ هَلْ هُوَ بَاقٍ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدَهُ بَاقِيًا أَفْتَى بِهِ وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَنْ الْفُتْيَا، وَهَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَوَائِدِ كَالنُّقُودِ وَالسِّكَكِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَالْوَصَايَا وَالنُّذُورِ فِي الْإِطْلَاقَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَوَجَدُوا الْأَئِمَّةَ الْأُوَلَ قَدْ أَفْتَوْا بِفَتَاوَى بِنَاءً عَلَى عَوَائِدَ لَهُمْ وَسَطَّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ بِنَاءً عَلَى عَوَائِدِهِمْ، ثُمَّ الْمُتَأَخِّرُونَ وَجَدُوا تِلْكَ الْفَتَاوَى فَأَفْتَوْا بِهَا.

وَقَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ فَكَانُوا مُخْطِئِينَ خَارِقِينَ لِلْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مُدْرِكٍ بَعْدَ زَوَالِ مُدْرِكِهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ لَفْظُ الْحَرَامِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مَسْطُورٌ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ فَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ الْيَوْمَ يُفْتِي بِلُزُومِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِنَاءً عَلَى الْمَنْقُولِ فِي الْكُتُبِ عَنْ مَالِكٍ وَتِلْكَ الْعَوَائِدُ قَدْ زَالَتْ فَلَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بِالْخَلِيَّةِ وَلَا بِالْبَرِيَّةِ وَلَا بِحَبْلِك عَلَى غَارِبِك وَلَا بِوَهَبْتُكِ لِأَهْلِك، وَلَوْ وَجَدْنَاهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْلًا يُوجِبُ لُزُومَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ كَثِيرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّهُ مَنْقُولٌ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ فِي ذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْبَحْرِ وَالْغَيْثِ وَالنَّدَى وَنَحْوِهَا فِي الْكِرَامِ الْبَاذِلِينَ لِلْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَنْقُولَةً لِهَذِهِ الْمَعَانِي، بَلْ ضَابِطُ الْمَنْقُولِ أَنْ يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تُفْهَمُ مِنْهَا هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا بِالْقَرِينَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ مَنْقُولَةً فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَيَظْهَرُ لَك مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْفَتَاوَى الْفَاسِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَيَظْهَرُ لَك بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّرِيحِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

مُبَاحَةً وَتَسْتَلْزِمُ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ كَانَتْ مَمْنُوعَةً وَمُسْتَلْزِمَةً مَنْعَ الِانْتِفَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّحْوِ لِأَنَّا نَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي حُكْمِ الْإِنْفَاقِ لَا عَلَى حُكْمِ الِالْتِزَامِ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِهِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمْثِلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَبِيعِ إذَا كَانَ حَيَوَانًا وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ الْمُتَمَلَّكَةِ وَاجِبٌ وَمُسَبَّبٌ عَنْ عَقْدِ الْمَبِيعِ الْمُبَاحِ وَأَنَّ الذَّكَاةَ إذَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَالْخِنْزِيرِ وَالسِّبَاعِ الْعَادِيَةِ وَالْكَلْبِ وَنَحْوِهَا لَا تُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ الِانْتِفَاعِ إمَّا مُحَرَّمٌ جَمِيعُهَا وَإِمَّا مُحَرَّمٌ فِي بَعْضِهَا وَمَكْرُوهٌ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هَذَا فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ وَأَسْهَلُ مِنْهَا الْأَسْبَابُ الْمَمْنُوعَةِ لِأَنَّ مَعْنَى تَحْرِيمِهَا أَنَّهَا فِي الشَّرْعِ لَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ فَلَمْ تَكُنْ لَهَا مُسَبَّبَاتٌ فَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الْمَنْعِ لَا أَنَّ الْمَنْعَ تَسَبَّبَ عَنْ وُقُوعِ أَسْبَابٍ مَمْنُوعَةٍ فَثَبَتَ اطِّرَادُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ الِالْتِفَاتُ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ وَلَا الْقَصْدِ إلَيْهَا بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْجَرَيَانُ تَحْتَ الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ لَا غَيْرُ، أَسْبَابًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أَسْبَابٍ مُعَلَّلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّةٍ وَلِلْمُكَلَّفِ تَرْكُ الْقَصْدِ إلَى الْمُسَبَّبِ وَلَهُ الْقَصْدُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ الَّتِي تُوجَدُ عَنْ السَّبَبِ لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ إلَى الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الجاثية: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [الطلاق: ١١] وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ وَلِلِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ الَّذِي هُوَ الْقِسْم الثَّانِي ثَلَاثُ مَرَاتِبَ

(إحْدَاهَا) أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فَاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ أَوْ مَدْلُولِهِ وَهَذَا شِرْكٌ أَوْ مُضَاهٍ لَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذْ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ فِي الشَّرْعِ غَيْرُ فَاعِلٍ بِنَفْسِهِ بَلْ دَلِيلٌ وَأَمَارَةٌ فَلِذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ لَا تُمْنَعُ فِي الشَّرْعِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَامَّةً وَالْحُكْمُ خَاصًّا أَوْ أُرِيدَ مِنْ الْعِلَّةِ. اهـ

(وَالثَّانِيَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَكُونُ عِنْدَهُ عَادَةً كَمَا هُوَ الْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى عَادَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِي الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ

(وَالثَّالِثَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَبِّبُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبِّبِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَاعْتِبَارِهِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ مُسَبِّبٌ وَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلِتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبِّبِ الَّذِي هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ أَيْضًا

(إحْدَاهَا) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ابْتِلَاءٌ لِلْعِبَادِ وَامْتِحَانٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ إلَى السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْآخِذُ لَهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ آخِذٌ لَهَا مِنْ حَيْثُ وُضِعَتْ مَعَ التَّحَقُّقِ بِذَلِكَ فِيهَا وَهَذَا صَحِيحٌ وَصَاحِبُ هَذَا الْقَصْدِ مُتَعَبِّدٌ لِلَّهِ بِمَا تَسَبَّبَ بِهِ مِنْهَا حِينَئِذٍ تَسَبَّبَ بِالْإِذْنِ فِيمَا أُذِنَ فِيهِ لِيُظْهِرَ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ فِيهِ

<<  <  ج: ص:  >  >>