للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ.

(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ النِّيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ)

اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ إجْمَاعًا وَفِي اشْتِرَاطِهَا قَوْلَانِ، وَهَذَا هُوَ مُتَحَصِّلُ الْكَلَامِ الَّذِي فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ فَحَيْثُ قَالَ الْفُقَهَاءُ إنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّرِيحِ فَيُرِيدُونَ الْقَصْدَ لِإِنْشَاءِ الصِّيغَةِ احْتِرَازًا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ لِمَا لَمْ يَقْصِدْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا طَارِقًا فَيُنَادِيهَا فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ فَيَقُولُ لَهَا يَا طَالِقُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اللَّفْظَ وَحَيْثُ قَالُوا النِّيَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّرِيحِ فَمُرَادُهُمْ الْقَصْدُ لِاسْتِعْمَالِ الصِّيغَةِ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْكِنَايَاتِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَعْنَى الطَّلَاقِ.

وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَلَا وَحَيْثُ قَالُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الصَّرِيحِ قَوْلَانِ فَيُرِيدُونَ بِالنِّيَّةِ هَاهُنَا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ النِّيَّةَ وَيُرِيدُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَإِلَّا فَمَنْ قَصَدَ وَعَزَمَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ لَا يَلْزَمُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا يُنْشِئُهُ بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ فَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْجَلَّابِ بِاعْتِقَادٍ بِقَلْبِهِ فَقَالَ، وَمَنْ اعْتَقَدَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ فَفِي لُزُومِ الطَّلَاقِ لَهُ قَوْلَانِ وَالِاعْتِقَادُ لَا يَلْزَمُ بِهِ طَلَاقٌ إجْمَاعًا

فَلَوْ اعْتَقَدَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ. ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ اعْتِقَادِهِ بَقِيَتْ لَهُ زَوْجَةً إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ بِلِسَانِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُطَلِّقَ أَيْضًا بِقَلْبِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنَّهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَفِي الْفَرْقِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ تُوَضِّحُهُ

(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَرَادَ التَّلَفُّظَ بِالطَّلَاقِ فَقَالَ اشْرَبِي أَوْ نَحْوَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ طَلَاقَهَا بِمَا تَلَفَّظَ بِهِ فَيَجْتَمِعُ اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَنِيَّتُهُ وَاحِدَةٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ لِلْبَتَّةِ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْوِهِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ وَحْدَهُ لَا يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةٌ مَعَ لَفْظِ الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ ثَلَاثٌ فِي الْفُتْيَا وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْقَضَاءِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مِنْ وَثَاقِ وِلَايَتِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا طَلُقَتْ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ بَرِيَّةٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَيُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ إلَّا أَنْ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

لَا مُلْتَفِتًا إلَى مُسَبَّبَاتِهَا وَإِنْ انْجَرَّتْ مَعَهَا فَهُوَ كَالْمُتَسَبِّبِ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ

(وَالثَّانِيَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ قَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْرِيدَ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ أَنْ لَا يُشْرَكَ مَعَهُ فِي قَصْدِهِ سِوَاهُ وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ خُرُوجٌ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ بَقَاءَ الِالْتِفَاتِ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَقَاءٌ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ وَرُكُونٌ إلَى الْأَعْيَانِ وَهُوَ تَدْقِيقٌ فِي نَفْيِ الشِّرْكَةِ وَهَذَا أَيْضًا فِي مَوْضِعِهِ صَحِيحٌ

(وَالثَّالِثَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ مُجَرَّدًا عَنْ النَّظَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَوَجَّهَهُ إلَى السَّبَبِ تَلْبِيَةً لِلْآمِرِ لِتَحْقِيقِهِ بِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ تَوَخَّى قَصْدَهُ مِنْ غَيْرِ نَظِيرٍ فِي غَيْرِهِ فَحَصَلَ لَهُ كُلُّ مَا فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُتَسَبَّبِ مِمَّا عُلِمَ وَمِمَّا لَمْ يُعْلَمْ فَهُوَ طَالِبٌ لِلْمُسَبَّبِ مِنْ طَرِيقِ السَّبَبِ وَعَالِمٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَبِّبُ وَهُوَ الْمُبْتَلِي بِهِ وَمُتَحَقِّقٌ فِي صِدْقِ التَّوَجُّهِ بِهِ إلَيْهِ فَقَصْدُهُ مُطْلَقٌ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ قَصْدُ الْمُسَبَّبِ لَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْيَارِ مُصَفًّى مِنْ الْأَكْدَارِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْأَسْبَابِ شَرْعًا وَأَنَّ الشَّارِعَ يَعْتَبِرُ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْخِطَابِ بِالْأَسْبَابِ وَيَتَرَتَّبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِ إذَا اعْتَبَرَهُ أُمُورٌ: (مِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْعَادَةِ تَجْرِي عَلَى وِزَانِ الْأَسْبَابِ فِي الِاسْتِقَامَةِ أَوْ الِاعْوِجَاجِ فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ تَامًّا وَالتَّسَبُّبُ عَلَى مَا يَنْبَغِي كَانَ الْمُسَبَّبُ كَذَلِكَ وَبِالضِّدِّ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ قَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ بِحَسَبِ وُقُوعِ السَّبَبِ كَالْبَيْعِ الْمُتَسَبَّبِ بِهِ إلَى إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ وَالنِّكَاحِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ حِلِّيَّةٌ الِاسْتِمَاعِ وَالذَّكَاةِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ حِلُّ الْأَكْلِ وَكَالسُّكْرِ النَّاشِئِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِزْهَاقِ الرُّوحِ الْمُسَبَّبِ عَنْ حَزِّ الرَّقَبَةِ وَقَدْ تَكُونُ عَامَّةً كَالطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ بِالْفَوْزِ فِي النَّعِيمِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي دُخُولِ الْجَحِيمِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُسَبَّبُ إنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ التَّقْوِيَةُ لِلسَّبَبِ وَالتَّكْمِلَةُ لَهُ وَالتَّحْرِيضُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي إكْمَالِهِ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ أَنْ يَكِرَّ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِبْطَالِ أَوْ بِالْإِضْعَافِ أَوْ بِالتَّهَاوُنِ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَفْسَدَةَ وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ

(أَحَدُهُمَا) مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَوِّي السَّبَبَ أَوْ يُضَعِّفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ زَمَانٍ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفُ

(وَالثَّانِي) مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لَا بِإِطْلَاقٍ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِسْمَيْنِ

(أَحَدُهُمَا) مَا يَكُونُ فِي التَّقْوِيَةِ وَالتَّضْعِيفِ مَقْطُوعًا بِهِ

(وَالثَّانِي) مَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَظْنُونًا

<<  <  ج: ص:  >  >>