للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ التِّينَ، وَلَا الْعِنَبَ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ جَاحِدَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ يَكْفُرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مُشْتَهِرًا فِي الدِّينِ حَتَّى صَارَ ضَرُورِيًّا فَكَمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا إجْمَاعًا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ الْفُقَهَاءِ فَجَحْدُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَخْفَى الْإِجْمَاعُ فِيهَا لَيْسَ كُفْرًا بَلْ قَدْ جَحَدَ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ كَالنَّظَّامِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِكُفْرِهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ جَحَدُوا أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ فِي أَدِلَّتِهِ فَمَا ظَفِرُوا بِهَا كَمَا ظَفِرَ بِهَا الْجُمْهُورُ فَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِمْ.

كَمَا أَنَّ مُتَجَدِّدَ الْإِسْلَامِ إذَا قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ وَجَحَدَ فِي مَبَادِئِ أَمْرِهِ بَعْضَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْمَعْلُومَةِ لَنَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا نُكَفِّرُهُ لِعُذْرِهِ بِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ، وَإِنْ كُنَّا نُكَفِّرُ بِذَلِكَ الْجَحْدِ غَيْرَهُ وَبِهَذَا التَّقْرِيبِ نُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ كَيْفَ تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَا تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ؟ . وَالْجَوَابُ بِأَنْ نَقُولَ إنَّا لَمْ نُكَفِّرْ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الشُّهْرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلضَّرُورَةِ فَمَتَى انْضَافَتْ هَذِهِ الشُّهْرَةُ لِلْإِجْمَاعِ كَفَرَ جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ تَنْضَفْ لَمْ نُكَفِّرْهُ وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَمْ يُجْعَلْ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَفَّرْنَا بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُشْتَهِرٌ فَمَنْ جَحَدَ إبَاحَةَ الْفَرَائِضِ لَا نُكَفِّرُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ فِيهِ إنَّمَا يَعْلَمُهُ خَوَاصُّ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

قَالَ: (وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ نُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ إلَى قَوْلِهِ الْإِجْمَاعُ فِيهِ إنَّمَا يَعْلَمُهُ خَوَاصُّ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

أَبِيهِ إلَخْ ثُمَّ عَدَمُ سَمَاعِهَا فِي الظَّنِّ الَّذِي لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَتَوَجَّهُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْمَشْهُورُ تَوَجُّهُهَا ابْنُ فَرْحُونٍ يُرِيدُ بَعْدَ إثْبَاتِ كَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ اهـ.

وَعَلَيْهِ فَتُسْمَعُ فِيمَنْ ثَبَتَتْ تُهْمَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا خَلِيلٌ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حَقَّقَ وَيَمِينِ تُهْمَةٍ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ إلَخْ.

وَقَالَ ابْنُ عَاصِمٍ وَتُهْمَةٍ إنْ قَوِيَتْ بِهَا تَجِبْ يَمِينُ مَتْهُومٍ إلَخْ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الدَّعْوَى تُسْمَعُ هَاهُنَا، وَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَوَجُّهِ عَيْنِ التُّهْمَةِ فَيُؤْمَرُ بِالْجَوَابِ لَعَلَّهُ يُقِرُّ فَتَأَمَّلْهُ فَلَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ أَلْفًا فَقَالَ الْآخَرُ أَظُنُّ أَنِّي قَضَيْته لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِالْمَجْهُولِ إذْ كُلٌّ مِنْهَا شَاكٌّ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الْقَضَاءُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي بِأَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْآخَرِ فَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ كَانَ لَهُ الْأَلْفُ عَلَيَّ، وَأَظُنُّ أَنِّي قَضَيْته لَزِمَهُ الْأَلْفُ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَضَاهُ ثُمَّ قَالَ التَّاوَدِيُّ وَالتُّسُولِيُّ، وَالتَّحَقُّقُ فِي هَذَا الشَّرْطِ رَاجِعٌ لِلتَّصْدِيقِ، وَالْعِلْمُ وَالْبَيَانُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِلتَّصَوُّرِ فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ اهـ.

(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) كَوْنُ الْمُدَّعَى فِيهِ ذَا غَرَضٍ صَحِيحٍ أَيْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفْعٌ شَرْعِيٌّ احْتِرَازٌ مِنْ الدَّعْوَى بِقَمْحَةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ أَوْ عُشْرِ سِمْسِمَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَا لَا يُمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ قَلْعِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ.

(الشَّرْطُ الرَّابِعُ) كَوْنُ الْمُدَّعِي فِيهِ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ لَقَضَى عَلَيْهِ بِهِ احْتِرَازًا مِنْ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ قَالَ دَارِي صُدِّقُوا بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَخْ، وَمِنْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَمِمَّا يُؤْمَرُ فِيهِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ كَقَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي أَوْ تُبْغِضِينِي، وَمِنْ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْجُورِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاكُ أَوْ الْغَصْبُ، وَنَحْوُهُمَا خَلِيلٌ، وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ اهـ.

قَالَ التَّسَوُّلِيُّ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَحْجُورَ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلَوْ نَصَبَهُ وَلِيُّهُ لِمُعَامَلَاتِ النَّاسِ بِمَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِلتِّجَارَةِ لِيَخْتَبِرَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ الدَّيْنُ اللَّاحِقُ لَا يَلْزَمُهُ لَا فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ، وَلَا فِيمَا بَقِيَ، وَلَا فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ خَاصَّةً، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَنْ بِهِ مَالُهُ، وَإِلَّا فَيَضْمَنُ فِي الْمَالِ الْمَصُونِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّصْوِينِ، وَانْظُرْ مَا يَأْتِي لَنَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَجَارٍ لِلْوَصِيِّ فِيمَا حَجَرَا إعْطَاءُ بَعْضِ مَالِهِ مُخْتَبَرًا " قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُغْنِي عَنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ دَعْوَى الْهِبَةِ وَالْوَعْدِ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْجَوَابِ فِيهِمَا، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِهِمَا بِالْقَوْلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْ الْهِبَةِ، وَلَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ اهـ كَلَامُ التَّسَوُّلِيِّ قُلْت وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُحْتَرَزُ بِهِ إلَخْ لِدَفْعِ قَوْلِ التَّاوَدِيِّ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ دَعْوَى الْهِبَةِ عَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ، وَهُوَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ اهـ.

(الشَّرْطُ الْخَامِسُ) كَوْنُ الْعَادَةِ لَا تُكَذَّبُ الدَّعْوَى بِالْمُدَّعَى فِيهِ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الدَّعْوَى بِالْغَصْبِ وَالْفَسَادِ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ خَلِيلٌ وَأَدَبٍ مُمَيَّزٍ كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ اهـ وَمِنْ مَسْأَلَةِ الْحِيَازَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ فِيهَا، وَقِيلَ تُسْمَعُ، وَيُؤْمَرُ الْمَطْلُوبُ بِجَوَابِهَا لَعَلَّهُ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ فَيَحْلِفُ قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ.

وَفِي الْأَصْلِ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الدَّعْوَى الَّتِي تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ كَدَعْوَى الْحَاضِرِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ زَيْدٍ، وَهُوَ حَاضِرٌ يَرَاهُ يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيُؤَاجِرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ وَازِعٍ يَزَعُهُ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ رَهْبَةِ أَوْ رَغْبَةٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِظُهُورِ كَذِبِهَا، وَالسَّمَاعُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّعِ الصِّدْقِ فَإِذَا تَبَيَّنَ الْكَذِبُ عَادَةً امْتَنَعَ تَوَقُّعُ الصِّدْقِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي طُولِ الزَّمَانِ الَّذِي تُكَذِّبُ بِهِ الْعَادَةُ دَعْوَى

<<  <  ج: ص:  >  >>