للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[كتابة الصحيفة]

ونظم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك صحيفة توضح التزامات جميع ساكني المدينة (المهاجرين والأنصار واليهود)، وتحدد الحقوق والواجبات، وأرْسَى بها قَوَاعِدَ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ منظم يحكم بالحق والعدل، وتسمى بالكتاب والصحيفة والوثيقة. (١)

ومما جاء فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَدِينَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ: أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ. المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبَاعَتِهِمْ يتعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بالمَعْرُوفِ وَالقِسْطِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الأُولَى. أَنَّ المُؤْمِنِينَ لَا يترُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالمَعْرُوفِ في فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ. أَنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ أَوْ إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ أيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أحَدِهِمْ. أَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أدْنَاهُمْ. المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ. مَنْ تَبعَ المُؤْمِنِينَ مِنْ يَهُودٍ، فَإِنَّهُ له النَّصْرُ والأُسْوَةُ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ ولَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ. أَنَّ المُؤْمِنِينَ يُبِئ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ. مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قتلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْضى وليُّ المَقْتُولِ. أَنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ. لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ، وَلَا نَفْسًا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ. لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا. لِقُرَيْشٍ وَحُلفائِهَا حَقُّ الصُّلْحِ إِذَا طَلَبُوهُ، إِلَّا مَنْ حَارَبَ مِنْهُمُ الإِسْلَامَ. يُنْفِقُ اليَهُودُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ. يَهُودُ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَللْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وأنْفُسُهُمْ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُهْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتهِ. لِبَقِيَّةِ اليَهُودِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنِي الحَارِثِ، وَبَنِي سَاعِدَةَ، وَبَنِي جُشَمٍ، وَبَنِي الأَوْسِ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، وَجَفْنَةَ، وَبَنِي الشُّطَيبَةِ، مِثْلُ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وأَنَّ بِطَانَةَ يَهُودٍ كَأَنْفُسِهِمْ. لَا يَخْرُجُ مِنْ يَهُودٍ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، عَلَى اليَهُودِ نَفَقَتُهُمْ، وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُمْ، وَإِنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ والنَّصِيحَةَ، وَالبِرَّ دُونَ الإِثْمِ. المَدِينَةُ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الجَارَ كَالنَّفْسِ، غَيْرُ مُضَارٍّ، وَلَا آثِمٍ، وإنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإذْنِ أَهْلِهَا. مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوِ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. أَنَّ بَيْنَهُمْ -أيْ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ- النَّصْرُ عَلَى مَنْ دَهَمَ الْمَدِينَةَ. مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالمَدِينَةِ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنَّ اللَّه جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.


(١) وقد وصفت بأنها أول دستور مكتوب في العالم، وقد استفاد منها كثيراً الدستور الأمريكي الحديث. وجاء الإسلام بالعدالة الكاملة التي أدخلت كثيراً من الناس في دين الله. وأقر بعدالته حتى من عادى هذا الدين الحنيف. وقال المستشرقون عن كتاب "السير" لمحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة: "إنه أول كتاب في القانون الدولي". وكَتَبَ نابليون قوانينه بعد الثورة الفرنسية واقتبس أكثرها من أحكام الفقه المالكي خصوصاً مختصر خليل. وبعد معاناة تشريعية طويلة اعترف القانوني الفرنسي الشهير "دوجي" بأفضلية الإسلام وأنه: "لا يشرع للخلق إلا من خلقهم". وبيّن الإسلام الحقوق والحدود، وجعل الحرية الصحيحة في طلب الحقوق وتحصيلها والوقوف عند الحدود الشرعية، فلا ديموقراطية ولا ديكتاتورية ولا علمانية ولا ليبرالية. ومن وسطية الإسلام أنه ليس فيه رهبانية مبتدعة ولا إلحاد، ولا رأسمالية ولا شيوعية، ولا إباحية للفواحش ولا تعدد مطلق للزوجات ولا إلزام بالاقتصار على زوجة واحدة يحرم غيرها. وأهم واجبات الدولة الإسلامية إقامة الدين وعموده الصلاة، ولا يصح تقسيم الإسلام إلى إسلام سياسي وإسلام غير سياسي؛ لأن الإسلام دين مرتبط بالحياة.

<<  <   >  >>