للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأما الاستشهاد ببعض ما يُنقل عن بعض الأئمة: أنهم تركوا الأخذ بالحديث في بعض المسائل؛ فهذا لا يستقيم؛ لأن ما نُقل عن بعض الأئمة لا يطرد؛ إذ من ترك من الأئمة الأخذ بالحديث في مسألةٍ ما فذلك لسببٍ ما، لذا فقد عمل هؤلاء الأئمة أنفسهم بالحديث وأخذوا به في مسائل أخرى مماثلة.

فالإمام أبو حنيفة مثلاً حُكي عنه رد خبر الواحد فيما عمت به البلوى (١) ، والواقع أن أبا حنيفة ربما ترك الأخذ بحديثٍ ما لأسباب: منها عدم وصوله إليه، أو عدم ثبوته لديه، أو لوجود معارض له أقوى منه في نظره، ونجد أن أبا حنيفة يعمل بخبر الواحد في مسائل كثيرة مما عمت به البلوى (٢) .

فنسبةُ هذا القول لأبي حنيفة لا تصح بل هو كذب عليه وعلى صاحبيه، إذ لم يقل ذلك أحد منهم ألبتة، وإنما هو قول متأخريهم (٣) .

وعلى كل فإن الاحتجاج لرد خبر الواحد بما نُقل عن بعض الأئمة – فيما لو ثبت ذلك عن بعضهم – لا يقاوم الأدلة القاطعة الموجبة للأخذ المطلق والعمل التام بخبر الواحد في جميع المسائل دون تفريق أو تخصيص.

ثم يقال: إن التفريق قول البعض، والأكثرون على خلاف ذلك، إذ عامة أهل العلم لا يفرقون بين مسألة وأخرى (٤) .

هـ- تقسيم السنة النبوية إلى قسمين: متواتر وآحاد، له اعتباران:

بالاعتبار الأول يكون هذا التقسيم صحيحًا مقبولاً لا غبار عليه، وبالاعتبار الثاني يكون هذا التقسيم باطلاً مردودًا.

أما الاعتبار الصحيح: فهو بالنظر إلى عدد الرواة، فالحديث الذي رواه عدد كبير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، فهو متواتر، وما لم يكن بهذه الصفة فهو آحاد.

فهذا التقسيم بهذا الاعتبار يرجع إلى الاصطلاح، فما استوفى شروط التواتر


(١) انظر: "كشف الأسرار" للبخاري (٣/١٦) .
(٢) انظر: "روضة الناظر" (١/٣٢٧) .
(٣) انظر: "مختصر الصواعق" (٥٠٤) .
(٤) انظر المصدر السابق (٥٠٦) ، وانظر المراجع المذكورة في بداية هذه الفقرة.

<<  <   >  >>