للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَذِكْرُ لَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ مَنْفِيٌّ فَحَيْثُ تُرِكَتْ لَا كَانَ الْمَعْنَى مِثْلَ الْمَوْضِعِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ لَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ غَيْرَ التَّوْكِيدِ وَشَأْنُ التَّوْكِيدِ أَنْ تَكُونَ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ مَعَهُ ثَابِتَةً قَبْلَهُ وَإِلَّا كَانَ مُنْشِئًا لَا مُؤَكِّدًا وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ التَّحْنِيثُ مَعَ لَا الْمُؤَكِّدَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ قَبْلَهَا التَّحْنِيثُ تَحْقِيقًا لِحَقِيقَةِ التَّأْكِيدِ.

وَإِذَا اتَّضَحَ الْحِنْثُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمُدْرَكٍ صَحِيحٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ الْحِنْثَ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ إذْ لَوْ ثَبَتَ الْحِنْثُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لَزِمَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالْحِنْثِ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ مَالِكٌ وَأَتْبَاعُهُ وَقَائِلٌ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَصْحَابُهُ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْعَطْفِ دُونَ غَيْرِهَا كَانَ قَوْلًا خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ عِنْدَ الْخِلَافِيَّيْنِ وَضَابِطُهَا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ فِي بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ دُونَ بَعْضِهَا فَيُفْرَضُ الِاسْتِدْلَال فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا فَإِذَا تَمَّ لَهُ فِيهَا الدَّلِيلُ بَنَى الْبَاقِيَ مِنْ الصُّوَرِ عَلَيْهَا فَسُمِّيَ ذَلِكَ طَرِيقَةَ الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُنَاظِرَ قَائِمٌ مَقَامَ إمَامِهِ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُجْتَهِدُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِنَا لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةَ إنَّمَا جَاءَتْنَا بَعْدَ فُتْيَاهُ هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَمُدْرَكُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى فُتْيَاهُ فِيهَا فَلَمَّا أَفْتَى خَصْمُهُ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْآخَرُ وَبَقِيَ هُوَ لَمْ يُفْتِ بَعْدُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَا ظَهَرَ بِالدَّلِيلِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ قَوْلِهِ إجْمَاعٌ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ خَصْمِهِ فَقَطْ فَلَهُ هُوَ إذَا قَالَ خَصْمُهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدِي فِي الْجَمِيعِ لَهُ هُوَ أَنْ يَقُولَ يَحْنَثُ عِنْدِي فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَالْإِجْمَاعُ يَصُدُّهُ حِينَئِذٍ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ اعْتَمَدَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُنَاظِرُ الْآنَ مِنْ قَوْلِهِ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ ذَلِكَ وَمَتَى كَانَ مُدْرَكُ الْمُنَاظِرِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُ الْمُجْتَهِدِ لَمْ يَصِحَّ. نَعَمْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ تَتِمُّ فِي الْمُنَاظَرَةِ جَدَلًا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْمَذَاهِبِ أَمَّا وَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مُشْكِلَةٌ إشْكَالًا قَوِيًّا فَتَأَمَّلْهُ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

قَالَ (وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ التَّحْنِيثُ مَعَ لَا الْمُؤَكِّدَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ قَبْلَهَا التَّحْنِيثَ إلَى قَوْلِهِ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ يَجْتَهِدُ فَلَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ اسْتِضْعَافِ طَرِيقَةِ الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ وَقَرَّرَهُ مِنْ تَبَيُّنِ وَجْهِ ضَعْفِهَا صَحِيحٌ كَمَا قَالَ وَبَيَّنَ.

قَالَ (وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ إشْكَالًا قَوِيًّا فَتَأَمَّلْهُ) قُلْت الْإِشْكَالُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مُدْرَكِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاحْتِيَاطُ لِلْإِيمَانِ فَأَخَذَ بِالْأَشَدِّ وَمُدْرَكُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَمْلُهَا عَلَى مُقْتَضَاهَا الْمُتَيَقِّنِ فَأَخَذَ بِالْأَخَفِّ فَلَا إشْكَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِمُجَرَّدِ الذَّاتِ أَوْ لِلذَّاتِ مَعَ جُمْلَةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَقَوْلِنَا اللَّهُ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِجَرَيَانِ النُّعُوتِ عَلَيْهِ تَقُولُ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَمَفْهُومُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ أَيْ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ وَهَذَا الْمَفْهُومُ هُوَ الَّذِي نَدَّعِي تَوَحُّدَهُ وَتَفَرُّدَهُ عَنْ الشَّرِيكِ وَالْمُمَاثَلَةِ أَيْ هَذَا الْمَجْمُوعُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ

(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ مَفْهُومٍ زَائِدٍ وُجُودِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَحْوُ قَوْلُنَا عَلِيمٌ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ الْعِلْمِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى

(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ مَفْهُومٍ وُجُودِيٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْ الذَّاتِ نَحْوُ خَالِقٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ اعْتِبَارِ الْخَلْقِ فِي التَّسْمِيَةِ وَهُوَ مَفْهُومٌ وُجُودِيٌّ مُنْفَصِلٌ عَنْ الذَّاتِ

(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ مَفْهُومٍ عَدَمِيٍّ نَحْوُ قُدُّوسٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ الْقُدُسِ الَّذِي هُوَ التَّطْهِيرُ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ أَيْ الَّذِي طَهُرَ مَنْ فِيهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ

(الْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ نِسْبَةٍ وَإِضَافَةِ كَالْبَاقِي فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ وَصْفِ الْبَقَاءِ وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْأَزْمِنَةِ فَإِنَّ الْبَقَاءَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَبَدِيِّ لِصِدْقِهِ عَلَى الْبَاقِي فِي زَمَانَيْنِ فَأَكْثَرَ وَأَمَّا الْأَبَدِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِهِ مَعَ جُمْلَةِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَمَا أَنَّ الْأَزَلِيَّ هُوَ الَّذِي قَارَنَ وُجُودُهُ جَمِيعَ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ مُتَوَهَّمَةً أَوْ مُحَقَّقَةَ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ أَنَّ الزَّمَانَ مُتَوَهَّمٌ كَالْمَكَانِ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ عَلَامَاتٌ مَعْلُومَةٌ تَتَبَدَّل بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَتَارَةً تَقُولُ يَجِيءُ زَيْدٌ إذَا صَلَّيْنَا الْعَصْرَ وَتَارَةً يُقَالُ نُصَلِّي الْعَصْرَ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَهُوَ مُجَرَّدُ اعْتِبَارٍ وَيُعْرَفُ بِعَلَامَةٍ تَسَمُّحًا فَيُقَالُ مُتَجَدِّدٌ مَعْلُومٌ يُقَارِنُهُ مُتَجَدِّدٌ مَوْهُومٌ إزَالَةً لِلْإِيهَامِ وَتَارَةً بِنَفْسِ الْمُقَارَنَةِ وَيُوصَفُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ تَبَعًا لِمَا يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ أَوْ عَلَى فَرْضِ وُجُودِهِ نَظِيرَ مَا قِيلَ فِي الْمَكَانِ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مُتَحَقِّقٌ يُقَالُ لَهُ زَمَانٌ وَإِلَى ذَلِكَ

<<  <  ج: ص:  >  >>