للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مُخَالَفَةِ النَّهْيِ إذَا تَكَرَّرَتْ يَتَكَرَّرُ التَّأْثِيمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مُخَالَفَةِ الْيَمِينِ إذَا تَكَرَّرَتْ لَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا الْكَفَّارَةُ وَالْجَمِيعُ مُخَالَفَةٌ)

بَلْ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِالْمُخَالَفَةِ الْأُولَى وَيَسْقُطُ حُكْمُ الْيَمِينِ بِخِلَافِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا وَإِنْ خُولِفَ أَلْفَ مَرَّةٍ وَيَتَكَرَّرُ الْإِثْمُ بِتَكَرُّرِهِ وَهَذَا الْفَرْقُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الصَّعْبَةِ الْمُشْكِلَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا فَعَلْت نَفْيٌ لِلْفِعْلِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَإِنَّ لَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مَعَ لَنْ وَقَالَ " لَنْ " أَشَدُّ عُمُومًا وَذَلِكَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} [الأعلى: ١٣] أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَوْتٌ وَلَا حَيَاةٌ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ إذَا قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ لَا تَكْذِبْ أَوْ لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَإِذَا خَالَفَ مَرَّةً وَفَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ حَصَلَ لَهُ الْإِثْمُ فَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ تَكَرَّرَ الْإِثْمُ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ إذَا تَكَرَّرَتْ مُخَالَفَةُ الْيَمِينِ يَنْبَغِي أَنْ تُكَرَّرَ الْكَفَّارَةُ بِتَكَرُّرِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ عِنْدَهَا أَوْجَبَتْ الْكَفَّارَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخَالِفْ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ وَإِذَا تَكَرَّرَتْ الْمُخَالَفَةُ فِي الْيَمِينِ يَكُونُ ذَلِكَ كَتَكَرُّرِ الْمُخَالَفَةِ فِي النَّهْيِ وَالْجَامِعُ الْمُخَالَفَةُ وَعُمُومُ الصِّيغَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصِيغَةِ " لَا " فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَهَذَا الْإِشْكَالُ لَا يَلْزَمُ فِي مُخَالَفَةِ الشَّرْطِ إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَخَالَفَ وَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ عَبْدٌ وَاحِدٌ وَطَلُقَتْ امْرَأَتُهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَإِنْ عَادَ وَخَالَفَ مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ عَبْدٍ آخَرَ وَلَا طَلْقَةٌ أُخْرَى بِسَبَبِ أَنَّ صِيغَةَ الشَّرْطِ لَيْسَتْ عَامَّةً فَلَا تُوجِبُ التَّكَرُّرَ بَلْ الشَّرْطُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ إنَّمَا يَقْتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ لَزِمَ مُوجَبُهَا بِخِلَافِ الْحَلِفِ فَإِنَّ الصِّيغَةَ عَامَّةٌ فَبِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ تَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ الْفَرْضِ بَعْدَمَا حَصَلَتْ فِي الَّذِي قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَانِيًا عَلَى الْيَمِينِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُقْدِمُ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا أَنَّهُ جَانٍ عَلَى النَّهْيِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُقْدِمُ عَلَى الْفِعْلِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرْقِ مِنْ وُجُوهٍ.

(أَحَدُهَا) أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّيغَةَ عَامَّةٌ فِي نَفْيِ الْفِعْلِ وَلَكِنَّ الْكَفَّارَةَ مَا وَجَبَتْ إلَّا لِمُخَالَفَةِ هَذِهِ السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَنَقِيضُ السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُوجَبَةُ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

(قَالَ الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مُخَالَفَةِ النَّهْيِ إذَا تَكَرَّرَتْ يَتَكَرَّرُ التَّأْثِيمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مُخَالَفَةِ الْيَمِينِ إذَا تَكَرَّرَتْ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا الْكَفَّارَةُ وَالْجَمِيعُ مُخَالَفَةٌ) قُلْت مَا قَالَهُ إلَى آخَرِ الْفَرْقِ صَحِيحٌ غَيْرُ قَوْلِهِ بَلْ الشَّرْطُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ إنَّمَا يَقْتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَضَى الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَمَا كَانَ مُطْلَقًا بَلْ مُقَيَّدًا بِاقْتِضَاءِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لِضَرُورَةِ لُزُومِ تَحْصِيلِ مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ وَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي التَّحْصِيلِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ.

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

يُشِيرُ صَحِيحُ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُقَالُ لَهُ الدَّهْرُ وَإِنَّمَا أَنَا خَالِقُ الْأَشْيَاءِ.

وَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ الزَّمَنُ حَادِثٌ فَمَعْنَاهُ مُتَجَدِّدٌ بَعْدَ عَدَمٍ لَا مَوْجُودٌ لِمَا أَنَّهُ اعْتِبَارِيٌّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّمَنِ فِي وُجُودِهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا الْأَخِيرُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْبَقَاءُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَخْتَرْ اللَّقَانِيُّ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْبَقَاءِ نَفْيَ لُحُوقِ الْعَدَمِ لِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَوْنُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقَةِ الِامْتِنَاعِ مَأْخُوذٌ مِنْ أَنَّهُ بَقَاءٌ وَاجِبٌ مُحْتَرَزًا عَنْ الْبَقَاءِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ كَذَا بَقَاءٌ لَا يُشَابُ بِالْعَدَمِ إلَّا لِكَوْنِ الْبَقَاءِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ غَيْرُ كَافٍ لَا لِاسْتِحَالَتِهِ كَمَا زَعَمَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ نَعَمْ يَمْتَنِعُ دُخُولُ الزَّمَانِ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بِأَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ تَعَالَى لَيْسَ إلَّا فِي زَمَانٍ وَهَذَا لَا تَقْتَضِيهِ الْمُقَارَنَةُ وَمِنْ هُنَا انْدَفَعَتْ شُبْهَةٌ ذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ وَنَقَلَهَا السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى وَالْكَمَالُ فِي الْمُسَامَرَةِ عَلَى الْمُسَايَرَةِ وَهُوَ أَنَّ إثْبَاتَ الْقَدَمِ لِلَّهِ تَعَالَى مُحَصِّلَةُ وُجُودِهِ فِي مُدَدٍ لَا أَوَّلَ لَهَا إذْ لَا وُجُودَ إلَّا فِي زَمَنٍ فَيَلْزَمُ إثْبَاتُ أَزْمِنَةِ قَدِيمَةٍ فَجَوَابُهَا مَنْعُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ إلَّا فِي زَمَنٍ فَإِنَّ الزَّمَنَ عَلَى الْقَوْلِ بِتَحَقُّقِهِ يَخْرُجُ عَنْ حَادِثٍ صَاحَبَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُودِ الشَّيْءِ مُصَاحَبَةَ غَيْرِهِ وَإِنْ اتَّفَقَا كَيْفَ وَقَدْ ظَهَرَ أَرْجَحِيَّةُ عَدَمِهِ.

وَقَدْ قَالَ الشِّهْرِسْتَانِيُّ إنَّ تَقَدُّمَ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَاتِيٌّ لَا فِي زَمَنٍ وَتَقْرِيبُهُ إنْ تَقَدَّمَ أَمْسِ عَلَى الْيَوْمِ كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ زَمَنٌ ثَالِثٌ يَقَعُ فِيهِ التَّقَدُّمُ وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَبْلُ اكْتِفَاءً بِالِاعْتِبَارِ فَالزَّمَنُ حَادِثٌ وَوُجُودُ الصَّانِعِ وَوُجُوبُهُ ذَاتِيٌّ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ نَعَمْ كَانَ عَلَى الْأَصْلِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمُتَوَهِّمَةِ فِي قَوْلِهِ جَمِيعُ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ مُتَوَهَّمَةٌ أَوْ مُحَقَّقَةٌ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(التَّقْسِيمُ الثَّانِي) بِحَسَبِ مَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ وَمَا لَا إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ

(الْقِسْم الْأَوَّلُ) مَا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَلَا يُوهِمُ نَقْصًا نَحْوُ الْعَلِيمِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا فِي مُورِدِ النَّصِّ وَفِي غَيْرِهِ

(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يُرِدْ السَّمْعُ بِهِ وَهُوَ يُوهِمُ نَقْصًا فَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا

<<  <  ج: ص:  >  >>