للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِنِصْفِ إِنْسَانٍ (١). وعرضت عليه عصرًا الخيول الأصيلة السريعة، تقف على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة، فلم تزل تُعْرض عليه تلك الخيول الأصيلة حتى غربت الشمس. فقال سليمان: إني آثرت حب المال -ومنه هذه الخيل- على ذكر ربي حتى غابت الشمس وتأخرتُ عن صلاة العصر، ردوا علي هذه الخيل. فردوها عليه، فبدأ يضرب بالسيف سوقها وأعناقها (٢).

ولما فرغ سليمان بن داود عليه السلام من بناء بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثة: سأل الله حكماً يصادف حكمه؛ فأعطاه الله إياه. وسأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؛ فأعطاه إياه. وألا يأتي هذا المسجد (٣) أحد لا يريد إلا الصلاة فيه؛ أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة.

وطوّع الله لسليمان الريح شديدة الهبوب تجري بأمره إذا أمرها إلى أرض الشام. تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وتنقاد بأمره لينة لا زعزعة فيها مع قوتها وسرعة جريها، تحمله حيث أراد. وسيّل اللهُ له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخر له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، وذلل له الشياطين يأتمرون بأمره، فمنهم البناؤون يعملون له ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور، وما يشاء من صور، وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور الطبخ الثابتات فلا يُحرَّكْنَ لعِظَمِهِن. ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار، فيستخرجون الدرر منها. والذي يميل من الجن عمَّا أُمِر به من العمل يناله عذاب أليم. ومن الشياطين أيضاً مردة سُخِّروا له، فهم بأمره موثقون في الأغلال لا يستطيعون التحرك. وقيل له: يا سليمان، هذا عطاؤنا الذي أعطيناكه استجابة لما طلبت منا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلن تحاسب في إعطاء أو منع. وقيل: اعملوا - يا آل داود - شكرَاً لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عباد الله هم الشكورون على ما أنعم الله عليهم.


(١) قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا، وَلَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَجْمَعُونَ.
(٢) قيل أنه ذبحها وجعلها صدقة للفقراء، فلا يبقى منها شيء يشغله عن ذكر الله.
(٣) يعني المسجد الأقصى بِبَيْتَ الْمَقْدِسِ.

<<  <   >  >>