للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفي صحيح البخاري (١) أنَّ ابنَ عَباس سُئل عَنْ هَذا بِعَيْنِه فأجَاب بِأنَّ الأرْض خُلِقَت قَبْل السَّمَاء، وأنَّ الأرض إنما دُحِيتْ بَعْد خَلْق السَّمَاء، وكَذلك أجَاب غَير واحِد مِنْ عُلَمَاء التَّفْسِير قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقد حَرَّرْنا ذلك في سُورة النازعات، وحَاصِل ذلك أن الدَّحْي مُفَسَّرٌ بِقَولِه تَعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا)، فَفَسَّر الدَّحْي بإخْرَاج مَا كَان مُودَعًا فِيها بالقُوَّة إلى الفِعْل لَمَّا أُكْمِلَت صُورَة الْمَخْلُوقَات الأرْضِيَّة، ثمّ السَّمَاوِيَّة، دَحَا بَعْد ذَلك الأرْض، فأخْرَجَتْ مَا كَان مُودَعًا فِيها مِنْ الْمِيَاه، فَنَبَتَتْ النَّبَاتَات عَلى اخْتِلاف أصْنَافِها وصِفَاتِها وألْوَانِها وأشْكَالِها، وكَذلك جَرَتْ هَذه الأفْلاك فَدَارَتْ بِمَا فِيها مِنْ الكَواكِب الثَّوابِت والسَّيَّارَة، والله سبحانه وتعالى أعلم (٢).

وقال القاسمي: وقَد اسْتُدِلّ بِقَوله: (ثُمَّ اسْتَوَى) على أنَّ خَلْق الأرْض مُتَقَدِّم على خَلْق السَّمَاء، وكَذلك الآية التي في "حم السجدة"، وقَوله تَعالى في سُورة النازعات: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) إنما يُفِيد تَأخُّر دَحْوها، لا خَلْق السَّمَاء، فإنَّ خَلْق الأرْض وتَهْيئتِها - لِما يُرَاد مِنها - قَبْل خَلْق السَّمَاء، ودَحْوها بَعْد خَلْق السَّمَاء. الدَّحْو هُو البَسْط، وإنْبَات العُشْب مِنها، وغَير ذَلك، مما فَسَّرَه قَوله تَعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا)، وكَانت قَبْل ذلك خَرِبَة وخَالِيَة، على أنَّ (بَعْد) تَأتي بِمَعْنى (مَع)، كَقَولِه: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) أي: مَع ذَلك. فَلا إشْكَال، وتَقْدِيم الأرض - هُنا - لأنها أدَلّ لِشِدّة الْمُلابَسَة والْمُبَاشَرة (٣).


(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١/ ٣٣٥) باختصار.
(٣) محاسن التأويل، مرجع سابق (١/ ٣١١).

<<  <   >  >>