للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[جمع القرطبي]

قال القرطبي في الوَسْوَسَة:

واخْتُلِف في الكَيْفِيَّة؛ فَقال ابن مسعود وابن عباس وجُمهور العُلَمَاء: أغْوَاهُما مُشَافَهة، ودَلِيل ذَلك قَوله تَعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، والْمُقَاسَمَة ظَاهِرُها الْمُشَافَهَة.

وقال بَعضهم - وذَكَرَه عبد الرزاق عن وَهْب بن مُنَبّه (١) -: دَخَل الْجَنَّة في فَمِ الْحَيَّة وهي ذَات أرْبع كالبُخْتِيّة، مِنْ أحْسَن دَابَّةٍ خَلَقَها الله تعالى، بَعْد أن عَرَضَ نَفْسَه على كَثِير مِنْ الْحَيَوان فَلم يُدْخِلْه إلَّا الْحَيَّة، فَلَمَّا دَخَلَتْ به الْجَنَّة خَرَجَ مِنْ جَوفِها إبليس (٢)، فَأخَذ مِنْ الشَّجَرة التي نَهَى الله آدَم وزَوْجَه عَنها، فَجَاء بِها إلى حَوّاء، فَقَال: انْظُري إلى هذه الشَّجَرة مَا أطْيَب طَعْمها وأحْسَن لَوْنها، فَلم يَزَل يُغْويها حتى أخَذَتْها حَوَّاء فأكَلَتْها، ثم أغْوى آدَم، وقَالَت له حَوَاء: كُلْ، فإني قَدْ أكَلْتُ فَلم يَضُرّني (٣)، فأكَلَ مِنها، فَبَدَتْ لَهُما سَوءاتهما، وحَصَلا في حُكْم الذَّنْب، فَدَخَل آدَم في جَوْف الشَّجَرة فَنَادَاه رَبّه: أين أنت؟ فَقَال: أنا هَذا يَا رَبّ. قال: ألا تَخْرُج؟ قالك أسْتَحْي منْك يَا رَبّ. قال: اهْبط إلى الأرْض التي خُلقْتَ منها. ولُعِنَتِ الْحَيَّة وَرُدّتْ قَوَائمها في جَوْفِها، وجُعِلَتِ العَدَاوة بَيْنَها وبَيْن بَنِي آدَم، ولذلك أُمِرْنا بِقَتْلِها - على ما يأتي بيانه -.

وقِيل لِحَوَّاء: كَمَا أدْمَيْتِ الشَّجَرَة فَكَذلك يُصِيبُك الدَّم كُل شَهْر وتَحْمِلِين وتَضَعِين كُرْها تُشْرِفِين بِه على الْمَوْت مِرَارًا - زاد الطبري والنقاش -: وتَكُون سَفِيهَة وقَد كُنْتِ حَلِيمَة.


(١) ورواه ابن جرير (١/ ٥٦١) عن وَهْب، ورواه عن ابن عباس (١/ ٥٦٦) وعن ابن مسعود (١/ ٥٦٣).
(٢) هذا يستلزم خَفاء هذا الأمر على الله، ومعلوم بَداهة أن الله لا تَخفى عليه خافية، إلا أن يُقال: إن الله مَكَن إبليس مِنْ الدُّخُول بِهَذِه الطَّرِيقَة من بَاب الإمْلاءِ. هذا لو صحّ الخبر.
(٣) هذا يَدلّ عليه ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة مَرْفُوعًا بِلفظ: لَولا حَوَاء لم تَخُن أنثى زوجها الدَّهر. البخاري (ح ٣٢١٨)، ومسلم (ح ١٤٧٠).

<<  <   >  >>