للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنَهْلِك وفِينَا الصَّالِحُون؟ قال: نَعَم، إذا كَثُر الْخَبَث (١).

ولا يَكْثُر الْخَبَث والفَسَاد إلَّا في ظِلِّ غِيَاب الْمُصْلِحِين، إذ أنَّ وُجُود الصَّالِحِين لَيس كَافِيًا في النَّجَاة، فلا بُدّ مِنْ وُجُود الْمُصْلِحين، كَمَا قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧].

فالله لا يَأمُر الْمُتْرَفِين بالفِسْق، وإنَّمَا يُمْلِي لَهم، ويُمَكِّنُهم مِنْ فِعْل ذلك.

وجَوَاب آخَر، وهو أنَّ الله أمَر الْمُتْرَفين بِالطَّاعَة، فَعَصَوا، فَكَأن الأمْر صَارَ سَببًا في اسْتِحْقَاقِهم العَذَاب، وذلك بِسَبَب مُخَالَفَتِهم وفِسْقِهم، وهو الْخُرُوج عن الطَّاعَة؛ فَعَلى هذا يكون أمْرًا شَرْعِيًّا. إلَّا أن ابن القيم لم يرتضِ هذا الجواب، فقال: ولا حَاجَة إلى تَكَلّف تَقْدِير: أمَرْنا مُتْرَفِيها فِيها بالطَّاعَة، فَعَصَونا وفَسَقُوا فِيها، بل الأمر ههنا أمْرُ تَكْوين وتَقْدِير لا أمْر تَشْرِيع (٢). ثم ذَكَر أوْجُه ضَعْف القول بأنه أمْر شَرْعِيّ.

المثال الثاني

الْمُحَاسَبَة على الطَّيِّبَات:

قَوله تَعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف: ٣٢]، مَع قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: ٢٠].

[صورة التعارض]

في الآيَة الأُولى إبَاحَة الزِّينَة والطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق، وفي الآيَة الثَّانية الإخْبَار عن


(١) رواه البخاري (ح ٣١٦٨)، ومسلم (ح ٢٨٨٠).
(٢) شفاء العليل، مرجع سابق (١/ ١٤٣)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية، مرجع سابق (ص ٤٥٢).

<<  <   >  >>