للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

واسْتَدَلّ القرطبي بِقولِه تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: ٨] قال: والأسير في دَار الإسْلام لا يَكُون إلَّا مُشْرِكًا.

وقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة: ٨] فَظَوَاهِر هذه الآيَات تَقْتَضِي جَوَاز صَرْف الصَّدَقات إليهم جُمْلَة إلَّا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خَصّ منها الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، لِقوله عليه السلام لِمُعاذ: خُذْ الصَّدَقَة مِنْ أغْنيائهم ورُدّها على فُقَرَائهم (١). واتَّفَق العُلَمَاء على ذَلك عَلى مَا تَقَدم فَيُدْفَع إليهم مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع إذا احْتَاجُوا. والله أعلم.

قال ابن العربي: فأمَّا الْمُسْلِم العَاصِي فلا خِلاف أنَّ صَدقَة الفِطْر تُصْرَف إليه إلَّا إذا كَان يَتْرُك أرْكَان الإسْلام مِنْ الصَّلاة والصِّيام فلا تُدْفَع إليه الصَّدقة حتى يَتُوب، وسَائر أهْل الْمَعَاصِي تُصْرَف الصَّدَقَة إلى مُرْتَكِبِيها لِدُخُولِهم في اسْم الْمُسْلِمِين. وفي صَحِيح مُسْلِم (٢) أنّ رَجُلًا تَصَدَّق على غَنِيّ وسَارِق وزَانِية، وتُقُبِّلَتْ صَدَقَته (٣).

مُلخَّص جواب القرطبي:

١ - آية "البقرة" الكَلام فيها مُتَّصِل بِذِكْر الصَّدَقَات؛ فكأنه بَيَّن فيه جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْرِكِين.

٢ - الصَّدَقَة التي أُبِيْحَ دَفْعها إلى الكُفَّار هي صَدَقَة التَّطَوّع، وأمَّا الْمَفْرُوضَة فَلا يُجْزئ دَفْعها لِكَافِر.

٣ - أنَّ مَنْع الصَّدَقَة على الكُفَّار ابْتِدَاء كان رَغْبَة في إسْلامِهم، وقَد أذِن الله فيها.


(١) الحديث مخرج في الصحيحين بمعناه، وقد تقدم.
(٢) الحديث الذي يشير إليه: رواه البخاري (ح ١٣٥٥)، ومسلم (ح ١٠٢٢)، وهو قد أورده بالمعنى اختصارًا.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٣/ ٣٢٠، ٣٢١).

<<  <   >  >>