للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يَفْضَحُهم بِها بِعُقُوبَتِه إيَّاهم عليها … (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يَقُول: مُقِيمِين فِيها أبَدًا.

(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) يَقُول: وكان تَخْلِيد هَؤلاء الذِين وَصَفْتُ لكم صِفَتهم في جَهَنَّم على الله يَسِيرًا؛ لأنَّه لا يَقْدِر مَنْ أرَاد ذَلك بِه على الامْتِنَاع مِنه، ولا لَه أحَدٌ يَمْنَعه مِنه، ولا يَسْتَصْعِب عَليه مَا أرَاد فِعْلُه بِه مِنْ ذَلك، وكُلّ ذلك على الله يَسِير؛ لأنَّ الْخَلْق خَلْقُه، والأمْر أمْرُه (١).

ويَرى ابن جرير أن الْخَبَر في آيَة "الأنعام" خَرَج "عَمّا هو كائن مَخْرَج الْخَبَر عَمّا كان لِتَقَدّم الكَلام قَبْله بِمَعْنَاه والْمُرَاد مِنه" (٢).

وأن الاسْتِثْنَاء بِمَعْنَى: "إلَّا مَا شَاء الله مِنْ قَدْرِ مُدّة مَا بَيْن مَبْعَثِهم مِنْ قُبُورِهم إلى مَصِيرهم إلى جَهَنَّم، فَتِلْك الْمُدَّة التي اسْتَثْنَاها الله مِنْ خُلُودِهم في النَّار" (٣).

وأسنَد إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُم خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) قال: إنَّ هَذه الآيَة آيَةٌ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَحْكُم على الله في خَلْقِه، لا يُنْزِلهم جَنَّة ولا نَارًا (٤).

كما يَرَى أنَّ آيَة "هُود" جَرَتْ على عَادَة العَرَب، "وذلك أنَّ العَرَب إذا أرَادَت أن تَصِف الشَّيء بالدَّوَام أبَدًا قَالَتْ: هذا دَائم دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، بِمَعْنَى: أنّه دَائم أبَدا … فَخَاطَبَهم جَلّ ثَنَاؤه بِمَا يَتَعَارَفُونه بَيْنَهم، فَقَال: خَالِدِين في النَّار مَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض. والْمَعْنَى في ذلك: خَالِدِين فِيها أبَدًا" (٥).


(١) جامع البيان، مرجع سابق (٧/ ٦٩٦، ٦٩٧) باختصار يسير.
(٢) المرجع السابق (٩/ ٥٥٧).
(٣) المرجع السابق، الموضع السابق.
(٤) المرجع السابق (٩/ ٥٥٨)، ومفهومه: أي في حال الحياة، أما مصير الكافر بعد الموت فمقطوعٌ به، وآية الأنعام في حكاية مجادلة الإنس والجن يوم القيامة، وقول الله لهم جميعًا. وسيأتي قول ابن جرير في ذلك، قال ابن عطية (المحرر ٢/ ٣٤٦): والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار، ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه. اهـ. وسيأتي في قول ابن عطية توجيه الاستثناء.
(٥) جامع البيان، مرجع سابق (١٢/ ٥٧٨، ٥٧٩).

<<  <   >  >>