للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣٥٣٨- لاَ نَاقَتِى في هذا ولا جَمَلِى

أصل المثل للحارث بن عُباد حين قَتَلَ جَسَّاسُ بن مرةَ كليباً وهاجت الحربُ بين الفرقين، وكان الحارثُ اعتزلها، قَال الراعى:

وَمَا هَجْرتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ... لا نَاقَةٌ لي فِي هذَا ولاَ جَمَلُ

يضرب عند التبرى من الظلم والإساءة وذكروا أن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب شرور لما خرج الناس على الحجاج فَقَال: لا ناقتى في ذا ولا جَمَلِي، فلما دخل بعد ذلك على الحجاج قَال: أنت القائل لا ناقتي في ذا ولا جملي؟ لا جَعَلَ الله لك فيه ناقة ولا جملا ولا رَحْلا، فشمِتَ به حجار ابن أبجر العجلى وهو عند الحجاج، فلما دعا بَغدَائه جاؤا بِفُرْنِيِةٍ

(الفرنية: نوع من الخبز غليظ نسبوه إلى الفرن، وقَال الهذلى:

نقابل جوعهم بمكللات ... من الفرنى يرغبها الجميل)

فَقَال ضعوها بين يَدَي أبى عبد الله فإنه لَبَنِىٌّ يحبُّ اللبن، أراد أن يدفع عنه شَمَاتة حجار.

وقَال بعضهم: إن أول مَنْ قَال ذلك الصًّدوف بنت حُلَيْس العُذرِية، وكان من شأنها أنها كانت عند زيد بن الأخنس العُذري، وكان لزيد بنتٌ من غيرها يقَال لها الفارعة، وإن زيداً عَزَلَ ابنتَه عن امرأته في خِباء لها، وأخْدَمها خادماً، وخرج زيدٌ إلى الشام، وإن رجلا من عُذْرَة يُقَال له شَبَث هَوِيَها وهويَتْه، ولم يزل بها حتى طاوعته، فكانت تأمر راعىَ أبيها أن يُعَجِّلَ ترويحَ إبله، وأن يحلب لها حلبة إبلها قَيْلاً، فتشرب اللبن نهاراً، حتى إذا أمست وهَدأ الحيُّ رُحِلَ لها جمل كان لأبيها ذَلُول فقعدت عليه وانطلقا حتى كانا ينتهيان إلى مَتْيَهة من الأرض فيكونان بها ليلتهما، ثم يقبلان في وَجْه الصبح، فكان ذلك دَأبَهُما، فلما فَصَلَ أبوهَا من الشأم مَرَّ بكاهنة على ⦗٢٢١⦘ طريقِه، فسألها عن أهله، فنظرت له ثم قَالت: أرى جَمَلَكَ يُرْحَلُ ليلا، وحلَبَةَ تَحْلب إبلَكَ قَيْلا، وأرى نعما وخيلا، فلا لبث، فقد كان حدث، بآل شيث، فأقبل زيد لا يلوى على شَيء حتى أتى أهلَه ليلا، فدخل على امرأته وخَرَجَ من عندها مُسْرِعاً حتى دخل خِباء ابنته، فإذا هي ليست فيه، فَقَال لخادمها: أين الفارعة ثَكَلَتْكِ أمك؟ قَالت: خرجت تمشى وهى حرود، زائرة تعود، لم تر بعدك شَمْسا، ولا شهدت عرسا، فانفتل عنها إلى امرأته، فلما رأته عَرَفَت الشَّر في وجهه، فَقَالت: يازيد، لا تَعْجَلْ وَاقْفُ الأثر فلا ناقة لي في هذا ولا جمل، فهي أول من قَال ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>