للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومقيمه؛ فالنعمة منه وحده بكلِّ وجه واعتبار، ثم الثناء بها عليه ومحبتُه عليها وشكره بأن يستعملها في طاعته.

ومن لطائف التعبُّد بالنعم أن يَستكثِرَ قليلَها عليه، ويَستقِلَّ كثيرَ شكره عليها، ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها، ولا وسيلةٍ منه توسَّل بها إليه، ولا استحقاقٍ منه لها، وأنها لله في الحقيقة لا للعبد، فلا تزيدُهُ النعم إلا انكسارًا وذلًّا وتواضعًا ومحبةً للمنعم.

وكلَّما جدَّد له نعمةً أحدثَ لها عبوديةً ومحبةً وخضوعًا وذلًّا، وكلما أحدثَ له قبضًا أحدثَ له رضىً، وكلما أحدثَ ذنبًا أحدثَ له توبةً وانكسارًا واعتذارًا، فهذا هو العبد الكيِّسُ، والعاجزُ بمعزلٍ عن ذلك.

وبالله التوفيقُ.

فصل

من ترك الاختيارَ والتدبيرَ في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحةٍ أو فرارٍ من سقم، وعلمَ أنَّ الله على كل شيء قديرٌ، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأنَّ تدبيره لعبده خيرٌ من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحته من العبد، وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه، وأبرُّ به منه بنفسه، وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخَّر عن تدبيره له خطوةً واحدةً؛ فلا متقدمَ له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر؛ فألقى نفسه بين يديه، وسلَّم الأمرَ كلَّه إليه، وانطرحَ بين يديه انطراحَ عبدٍ مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بكل ما يشاء، وليس للعبد التصرفُ فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات، وحملَ كَلَّه وحوائجَه ومصالحه

<<  <  ج: ص:  >  >>