للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

الضعيف، والشاذ منها من المعروف، والإجماع من الاختلاف. ثم شبه الفرع المختلف فيه بالأصل المتفق عليه، من غير مناقضة منه للبناء الذي أسسه، ولا مخالفة منه للأصل الذي أصله. فخرجت -بحمد الله ونعمته- أقواله مستقيمة وفتاويه صحيحة (١) ".

فهذا الاختيار من البيهقي لمذهب الشافعي لم يكن إلا بعد دراسة وبحث، ومقارنة وتحقيق، واختبار واقتناع. ولكنه تمسك بمسلك الاعتدال فلم يتعصب لمذهبه يؤيده بحق وبباطل، بل قام يدافع عن كل المذاهب وفقهائها، وأعلن أنهم كلهم على حق، بنى كل واحد منهم مذهبه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة، وقصد قصد الحق في الاجتهاد للمسائل الحادثة. وهو إن شاء الله يكون مأجورا عند الله وإن أخطأ في ذلك.

قال: "ونحن نرجو أن لا يؤخذ على واحد منهم أنه خالف كتابا نصا، ولا سنة قائمة ولا جماعة، ولا قياسا صحيحا عنده، ولكن قد يجهل الرجل السنة، فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمد خلافها، وقد يغفل المرء، ويخطئ في التأويل (٢) ".

وهكذا دافع البيهقي عن أئمة المذاهب وفقهائهم، وليت الأمر كان كذلك، فإن كثيرا من فقهاء المذاهب لا يتركون قول إمامهم وإن ظهر لهم الحق في خلافه بدلائل قوية وحجج دامغة. نعوذ بالله من فتن التعصب والضلال!

وبعد أن وقع اختيار البيهقي لمذهب الإمام الشافعي، تجرد للدفاع عنه وعمل على جمع نصوصه، وشرح أقواله، وتبين أرائه، وتأييد مذهبه، وعكف حياته في خدمة مذهبه حتى قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: ما من فقيه إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه (٣).


(١) "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٤١، ١٤٢).
(٢) نفس المرجع (١/ ١٤١).
(٣) "السير" (١٧/ ١٦٨)، "التذكرة" (٣/ ١١٣٣)، "تبيين كذب المفتري" (٢٢٦)، "وفيات الأعيان،" (١/ ٧٦). وقد أشار ابن تيمية إلى نصرته لمذهب الشافعي (فتاوى ٣٢/ ٢٤٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>