للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الثَّاني: أن عِبَارَة القرطبي لا تستقيم بِتلك الْجُمْلَة، إذ قَرَّر أن "أظْهَر الأقْوَال" في تِلك الْمَسْألَة، هو "مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار"، وأنَّ "هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح"، ثم يُناقِضه بِتِلك الْجُمْلَة! فهذا لا يَسْتَقِيم.

الثَّالث: أنَّ مَنْهَج القرطبي يَرُدّ تِلك الْجُمْلَة؛ إذ لا يُعْرَف عنه رَدّ الأحَادِيث الصَّحِيحَة بِغَير تَأويل. ومن تَتبَّع تفسيره عَرَف ذلك، فهو لا يَتَرَدَّد أن يَقول بِمَا يَدُلّ عليه الْحَديث إذا كان صَحِيحًا عنده، وإن ضَعَّفه غيره، ومِثَال ذلك: أنه لَمَّا نَقَل عن ابن العربي تَضْعِيف حَديث مَنْ قَتَل عَبْدَه قَتَلْنَاه، تَعَقَّبَه بِقوله: هذا الْحَدِيث الذي ضَعَّفَه ابن العربي، وهو حَدِيث صَحِيح، أخْرَجَه النسائي وأبو داود (١). فَيَبْعُد أن يَعْلَم القرطبي تَظَاهُر الآي والأخْبَار ثم يَعْمَد إلى مُخالَفتِها.

الرَّابع: أنَّ مَجْمُوع عبَارَة القرطبي لا يُشْعِر بسياق من يُريد رَدّ الكَلام، إذ حشَد الدَّلائل على قوله مما تقَدَّم في عِبَارَته.

الْخَامِس: أنَّ عِبَارة "لا أقُول بِه" لَم تَرِد في تفسير القرطبي إطْلاقًا! لا في هذه الْمَسْألَة ولا في غَيرها.

وهذه الْجُمْلَة نَقَلها مَرْعِي الحنبلي وتَعَجَّب منها، إذ يَقُول: والعَجَب من القرطبي حَيث يَقُول: وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه. ولعله خَشِي مِنْ تَحْرِيف الْحَسَدَة، فَدَفَع وَهمَهم بِذَلك (٢).

ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلو" (٣) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، فَهو يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات … ورَبَط "البَرَّاك" بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه.


(١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٢/ ٢٤٤).
(٢) أَقَاوِيل الثِّقَات، مرجع سابق (ص ١٣٢).
(٣) (٢/ ١٣٧٧) حاشية (٦).

<<  <   >  >>