للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعن قتادة قَوله: إنَّ الله يُعْطِي على نِيَّة الآخِرَة مَا شَاء مِنْ أمْر الدُّنيا، ولا يُعْطِي على نِيّة الدُّنيا إلَّا الدُّنيا، وقال أيضًا: يَقُول الله تَعالى: مَنْ عَمِل لآخِرته زِدْنَاه في عَمَلِه وأعْطَينَاه مِنْ الدُّنيا مَا كَتَبْنَا لَه، ومَن آثَر دُنْياه على آخِرَته لم نَجْعَل له نَصِيبًا في الآخِرَة إلَّا النَّار، ولم يُصِب مِنْ الدُّنيا إلَّا رِزْقًا قد قَسَمْنَاه له لا بُد أن كان يُؤتاه مع إيثَار أوْ غير إيثَار.

وروي جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا) أي: مَنْ كان مِنْ الفُجَّار يُرِيد بِعَمَلِه الْحَسَن الدُّنيا نُؤتِه مِنها، ثم نُسِخ ذلك في "سُبحان": (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ).

والصَّواب أنَّ هذا ليس بِنَسْخ؛ لأنَّ هذا خَبَر والأشْياء كُلّها بإرَادَة الله عَزَّ وَجَلّ.

ألَا تَرَى أنه قد صَحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يَقُل أحَدُكم: اللهم اغْفِر لي إنْ شِئت، اللهم ارْحَمْني إنْ شِئت (١).

وقد ذَكَرْنا في "هود" أنَّ هذا مِنْ بَاب الْمُطْلَق والْمُقَيَّد، وأنَّ النَّسْخ لا يَدْخُل في الأخْبَار. والله المستعان (٢).

وفي آيَة "الإسراء" قال القرطبي: قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) يَعْنِي: الدُّنيا، والْمُرَاد الدَّار العَاجِلة، فَعَبَّر بالنَّعْت عن الْمَنْعُوت (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) أي: لَم نُعْطِه منها إلَّا مَا نَشاء ثم نُؤاخِذه بِعَمَلِه، وعَاقِبته دُخُول النَّار (مَذْمُومًا مَدْحُورًا) أي: مَطْرودًا مُبْعَدًا مِنْ رَحْمَة الله؛ وهذه صِفة الْمُنَافِقِين الفَاسِقِين والْمُرَائين الْمُدَاجِين (٣) يَلْبَسُون الإسْلام والطَّاعَة لِيَنَالُوا عَاجِل الدُّنيا مِنْ الغَنَائم وغَيرها، فلا يُقْبَل ذلك العَمَل


(١) رواه البخاري (ح ٧٠٣٩)، ومسلم (ح ٢٦٧٩).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٦/ ١٨، ١٩) باختصار.
(٣) في اللسان (١٤/ ٢٥٠): والمداجاة: المداراة، والمداجاة: المطاولة .... وليلة داجية مدجية وقد دجت تدجو، وداجى الرجل: ساتره بالعداوة وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة.

<<  <   >  >>