للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبتدَعة والآراء المختَرعة، لم يكن لهم في ذلك سلفٌ إلا رعوناتُ النفوس المتلقَّاة ممَّن ساء قصدُه في الدين.

ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: إني سأخلقُ أمَّةً أفضِّلُها على كلِّ أمَّةٍ وليس لها علمٌ ولا حِلم، فقال المسيح: أيْ ربِّ، كيف تفضِّلُهم على جميع الأمم وليس لهم علمٌ ولا حِلم؟ قال: أهبُهم من علمي وحِلمي (١).


(١) أخرجه أحمد (٢٧٥٤٥) , والبخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٥٥) , والخرائطي في «فضيلة الشكر» (١٩) , والطبراني في «الأوسط» (٣٢٥٢) وغيرهم من حديث يزيد بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - مرفوعًا: «إن الله عز وجل يقول: يا عيسى إني باعثٌ من بعدك أمةً إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلمَ ولا علم, قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلمَ ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».
ولا بأس بإسناده, وصححه الحاكم (١/ ٣٤٨) ولم يتعقبه الذهبي, وحسنه البزار (٤٠٨٨) , وابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٤٩) , إلا أن البزار وهم في اسم راويه يزيد فجعله أخاه يونس.

وأعله الألباني في «الضعيفة» (٤٠٣٨, ٤٩٩١) ومحققو «المسند» بأن يزيد بن ميسرة مجهول الحال لم تثبت عدالته ولم يرو عنه إلا اثنان. وليس كذلك, بل هو زاهدٌ واعظٌ معروفٌ من أتباع التابعين بالشام, له أخبارٌ كثيرة وأقوالٌ مأثورة في «الزهد» لأبي داود (٣٩٣ - ٣٩٦) , و «الحلية» (٥/ ٢٣٤ - ٢٤٣) , و «تاريخ الإسلام» (٣/ ٣٤٠) وغيرها, وروى عنه جماعةٌ فوق العشرة, وأورده ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٦٢٧) , ولم يَرو ما يُنْكَر, فمثله مع تصحيح الحاكم له يحسَّن حديثه ما لم ينفرد بما لا يحتمل, كما قال الذهبي في «الموقظة» (٧٨): «وإن صحَّح له كالدارقطني والحاكم فأقلُّ أحواله حُسْنُ حديثه». لكن قد ذُكِر أنه قرأ الكتب (يعني كتب أهل الكتاب) كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣٥٤٣١) , وروى عنها كثيرًا, فيُتأنى في مروياته المرفوعة التي من هذا اللون خاصَّة, فإنها مظنَّة الوهم, لاحتمال أن تكون مما قرأه من تلك الكتب ورفعَها خطأً على سبيل التوهُّم, كما يقعُ لغيره ممن ليس الحديثُ من صناعته, إلا أن في حديثه هذا قرينة تدفعُ عنه الوهمَ وتدلُّ على ضبطه له, وهي أنه قال في روايته: «سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ــ ما سمعتُه يكنِّيه قبلها ولا بعدها ــ يقول ... » ثم ذكره, وقد قال الإمام أحمد: «إذا كان في الحديث قصة دلَّ على أن راويه حفظه» , انظر: «هُدى الساري» (٣٦٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>