للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخلاف بين السَّلف وبين أصحابهم المتكلمين (١).

هذا منطوقُ ألسنتهم ومسطورُ كتبهم!

أفلا عاقلٌ يَعتَبِر، ومغرورٌ يَزدَجِر، أن السَّلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يُحْدِثُ مقالةً تَخْرُج عنهم؟! أليس هذا صريحًا أن السَّلف كانوا ضالِّين عن التوحيد والتنزيه، ودَلَّه (٢) المتأخرون؟! وهذا فاسدٌ بضرورة العقل الصَّحيح والدين المتين.

وأيضًا، قد ينصرُ المتكلِّمون أقوالَ السَّلف تارةً وأقوال المتكلِّمين تارة، كما يفعله غيرُ واحدٍ مثل أبي المعالي وأبي حامدٍ والرَّازي وغيرهم، ولازمُ المذهب الذي ينصرونه تارةً أنه هو المعتمد، فلا يثبتُون على دين واحد، وتغلبُ عليهم الشُّكوك, وهذا عادةُ الله فيمن أعرض عن الكتاب والسُّنة.

وتارةً يجعلون إخوانهم المتأخِّرين أحذقَ وأعلمَ من السَّلف، ويقولون: «طريقة السَّلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلمُ وأحكم» (٣)، فيصفون إخوانهم


(١) انظر: «الإحياء» (١/ ١٠٤, ١٢٠) , و «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٤٨, ٣/ ١٩).
(٢) كذا في الأصل. أي عَرَفه. فإن لم يكن محرَّفًا فهو تضمين.
(٣) نسب المصنف هذا القول في «الحموية» (١٨٥) لبعض الأغبياء, ولبعض النفاة في «درء التعارض» (٥/ ٣٧٨) , ولم أقف عليه بتمامه في مصدرٍ متقدم, واشتهر بعده وذاع عند موافقيه ومخالفيه, وممن قاله من معاصريه علاء الدين البخاري (ت: ٧٣٠) في «كشف الأسرار» (١/ ٥٨). قال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» (٣/ ١٦٧): «وقع هذان الوصفان (يعني: أحكم وأعلم) في كلام المفسرين وعلماء الأصول، ولم أقف على تعيين أول من صدرا عنه». أما وصف طريقة السلف في باب الصفات بأنها أسلم فكثيرٌ في كلام المتكلمين, وحكاه عنهم ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (١٥٥) , وممن صرَّح به الجويني في «غياث الأمم» (٢٨٠) , والرازي في «أساس التقديس» (١٩٩) , وغيرهما.
وانظر: «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٤٤١) , و «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>