للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لم يفعل حتى ينقل، وهذا ليس باعتبار الواقع إنما هو باعتبار السامع.

الأمر الثاني: الناقل عن الأصل يلزمه الدليل سواء كان ذلك الأصل إثباتًا أم نفيًا، إذ قد تقرر أن كل من أثبت حكمًا لابد له من دليل، سواء كان الحكم إثباتًا أو نفيًا، وقد كثر الخلاف بين الأصوليين في الدليل هل يلزم النافي أم المثبت (١) والمرضي من أقوالهم في ذلك: أن الدليل يلزم كل من ادعى


= أفعال العباد يسبق وجودها، وهذا هو معنى قولنا: الأصل في الأفعال العدم.
(١) هذه مسألة مشهورة عند الأصوليين، وهي: هل النافي للحكم يلزمه الدليل أم لا؟ وقد اختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الدليل لا يلزم النافي وإنما يلزم المثبت فقط. وهو قول الأكثرين، واستدلوا على ذلك بأنه لا دليل على المتمسك بالعدم؛ لأن العدم ليس بشيء، والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه فحيث لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به إلى دليل يدل عليه.
القول الثاني: أن النافي يلزمه الدليل كالمثبت. اختاره السمعاني في القواطع ونسبه لأهل الظاهر، واستدل بأن النفي لكون الشيء حلالًا وحرامًا حكم من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا بأدلتها، وأن الله تعالى طلب الدليل على النفي في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ١١١]، واستدلوا أيضًا بأن النافي فيما نفاه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه، أو لا يدعي العلم بانتفائه بل يخبر عن جهله وشكه، فإن كان يدعي العلم بصحة ما نفاه فلابد له من دليل، وإن كان لا يدعي العلم فالدليل عنه ساقط.
القول الثالث: أنه لا يلزمه في العقليات دون الشرعيات.
والراجح في ذلك أن المسألة فيها تفصيل:
فيقال: "إن كان النافي ينفي العلم عن نفسه فيقول لا أعلم الحكم في هذه المسألة، فهذا لا دليل عليه؛ لأن عدم العلم لا يطلب له دليل، وإن كان ينفي حكمًا ويثبت لنفسه علمًا بذلك النفي فالدليل لازم" [الوصول إلى الأصول (٢/ ٢٥٨) لابن برهان]. =