للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِنْهَا بَلْ رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مِنْ حَيْثِيَّةِ دَلَالَةِ لَفْظِ الِالْتِزَامِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْإِمْضَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَشْهَدَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَا قَضَى بِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِمَا لِفُلَانٍ وَهُمَا حَاضِرَانِ أَوْ غَائِبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ لَزِمَهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَالَهُ عَلَى مَيِّتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَ اهـ.

قُلْت وَذِكْرُ الْإِشْهَادِ هُنَا لَيْسَ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ إنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِمَّا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِبَيِّعِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَقَالَ لَوْ قَالَ لَهُ قَوْلًا بَيِّنًا ثُمَّ رَجَعَ لَمْ أَرَ لَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُهُ لَازِمًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ، فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ أَوْ بَعْدَ مَا انْتَقَدَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ انْتَقِدْنِي وَبِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ اهـ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ النَّوْعِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ مَعَ ذِكْرِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: وَالْوَفَاءُ بِهَا لَازِمٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَفِيهَا مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ اهـ.

وَقَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَكِتَابِ الْمِدْيَانِ وَقَدْ اغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَنَسَبَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لِكِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ.

[الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ]

(مَسْأَلَةٌ) مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُنْفِقِ أَوْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ زَيْدٌ أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَزِمَهُ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَعَدِّي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ إنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا فَلَهُمَا الرِّبْحُ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَعَمِلَ مَعَهُ فَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ، وَإِنْ رَضِيَ وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يُوجِبُ الرِّضَا دُونَ بَسْطٍ إلَيْهِ ضَمَانًا، وَلَا رِبْحًا إلَّا مِنْ وَجْهِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ لَك نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ فَلَهُ طَلَبُهُ بِذَلِكَ

<<  <  ج: ص:  >  >>