للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في القرآن يجعل صادراً عن القرآن. قال: والشافعية يجعلونه مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه (١). قال: وعلى هذا فبيانه - صلى الله عليه وسلم - التيمّم في حق الجنب صادر عما في القرآن. وبه يتبيّن أن المراد بقوله تعالى: {أو لامستم النساء} الجماع دون المسّ باليد وهم -يعني الشافعية- يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ، ويحملون قوله: {أو لامستم} على المس باليد، لأنه يحتمل أن يكون صادراً عما في القرآن، ويحتمل أن يكون شرع حكم مبتدأ، وهو في الظاهر غير متصل بالآية، فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر، لما فيه من زيادة الفائدة.

وقال أبو شامة: "إذا فعل - صلى الله عليه وسلم - فعلاً يوافق ما ورد به القرآن العزيز كالوضوء والاغتسال والصيام فإن ذلك يكون تنفيذاً لما أمر به" (٢) وقال القاضي أبو بكر (٣): "يجوز مع ذلك أن يكون فرضاً ابتدأ به، وما يلزمنا خاصة، أو يلزمنا وإياه، فعلٌ آخر". فلا بد من إشعار لنا بأنه فعله اتّباعاً لحكم الآية، وإلاّ فجواز ما قلناه قائم: "قال أبو شامة وفي هذا الكلام نظر" (٤).

وهذا المثال (٥) هو من أفراد الفعل البياني، ولكن القول في الامتثالي من نفس الباب، لا فرق في ذلك.

وأما أبو يعلى الحنبليّ فإنه يرى أن الظاهر في الفعل الموافق للآية أنه امتثال لها. قال: "لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يترك فعلًا أوجبه الله عليه، أو ندبه إليه". وهو بذلك يوافق ما نقله السرخسي عن الحنفية.

والذي نراه أن قول الحنفية ومن وافقهم في ذلك أولى بالصحة من قول من


(١) ينقل عن الشافعي أنه قال: "ما سئل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه". فإن صح هذا النقل كان مخالفاً لما نقله السرخسي عن الشافعية. فلينظر وليحرر.
(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٢ ب.
(٣) هو الباقلاني.
(٤) أبو شامة: المحقق ق ٥ ب، ٣٧ أ.
(٥) المقصود مثال التيمم.

<<  <  ج: ص:  >  >>