للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الثالث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز أن يُدبغ جلد الميتة؛ ليُنتفع به، فلم يمنع ذلك؛ لأنه لا يُتَّهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثُمَّ يتخذ جلدها، ويُتهم أن يتخذ الخمر (١).

الدليل الخامس: إن المعنى الموجب لتحريم الخمر: حدوث الاسم، وعند المخالف: حدوث الشدة؛ بدلالة إباحته في حال كونه عصيراً، فإذا خُلل فقد زال المعنى الذي من أجله حرم، فيزول التحريم، فيكون حينئذٍ بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي (٢).

نُوقش: إن قصد المخلِّل التخليل يكون قد فعل محرماً، والعين إذا كانت محرمة لم تَصِرْ محلَّلة بالفعل المنهي عنه، فلا تكون بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي. والعين الواحدة تكون طاهرة حلالاً في حال، وتكون حراماً نجسة في حال (٣).

سبب الخلاف:

الذي يظهر أن سبب الخلاف أمران (٤):

الأول: اختلاف الفقهاء في مفهوم النهي الوارد في النص.

فمَن فهم من المنع سد ذريعة حمْل ذلك على الكراهية، ومَن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم، ومَن تأول الاتخاذ بالاستعمال قال بالإباحة.

الثاني: معارضة القياس للأثر، والقياس المعارض لحمل النهي على التحريم قياسان: أحدهما: قياس الخل الحاصل بفعل الآدمي على ما تخلل بنفسه؛ لأنه قد عُلم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة، وأن الخمر غير ذات الخل، والخل -بإجماع- حلال. فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالاً كيفما انتقل.

والثاني: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض، فمَن استدل بالقياس وتأول مفهوم النهي قال بالإباحة.


(١) يُنظر: التبصرة (٤/ ١٦٢٣).
(٢) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (٦/ ٣٨٨).
(٣) يُنظر: الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (١/ ٣١٠).
(٤) يُنظر: بداية المجتهد (٣/ ٢٨).

<<  <   >  >>