للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ((هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود - رضي الله عنه - حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: ((من ها هنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة) وفي لفظ: ((أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة)) (١).

وعن جابر - رضي الله عنه - عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: (( ... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ... )) (٢).

٣ - وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر (٣)، أما بقية الأيام فلا تُرمَى الجمار


(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي، برقم ١٧٤٧، وباب رمي الجمار بسبع حصيات، برقم ١٧٤٨، وباب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره، برقم ١٧٤٩، وباب يكبر مع كل حصاة، برقم ١٧٥٠، ومسلم كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة، برقم ١٢٩٦.
(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.
(٣) أول وقت رمي جمرة العقبة وآخره على النحو الآتي:
أولاً: أول وقت رمي جمرة العقبة: أجمع العلماء على أن من رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، بل قال الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع، ص ٧٢: ((وأجمعوا على أنه إن رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزئ)).
واختلفوا في أول الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أول وقت رمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل [وقيده بعضهم بعد غروب القمر، كما صحّ عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنها]، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، كما ذكره ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥، وقال النووي في شرح المهذب: ((وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنها، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، واستدلوا بحديث عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: ((أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمِّ سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)) [أبو داود، برقم ١٩٤٢، والنسائي، برقم ٣٠٦٦]، وتقدم تخريجه في المبيت بمزدلفة، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: ((إسناده على شرط مسلم، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢٦٣: ((إسناده حسن)). [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٦، فقد نقل عن الإمام النووي تصحيحه في شرح المهذب، ثم قال الشنقيطي: ((ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة)).
قال شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه: ((لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذلك طواف الإفاضة))، وقال رحمه اللَّه: ((الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس)) [مجموع فتاوى ابن باز،
١٦/ ١٤٣، وكان يفتي كثيراً: بأنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، والأفضل بعد غروب القمر، ولكن الأفضل للأقوياء أن يرموا بعد طلوع الشمس، اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أخرجه أحمد، برقم ٢٠٨٢، و٢٠٨٩،و٢٥٠٧،و٢٨٤١،و٣٠٠٣،و٣١٩٢، و٣٢٠٣، وأبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، برقم ٣٠٦٤ والترمذي، برقم ٨٩٣] ضعيف لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب جمعاً بين الأحاديث، كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه)). [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٣، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٦، ٣٧٧، ٢٥/ ٢٣١].
وقال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: (( ... ولرمي هذه الجمرة [أي جمرة العقبة] وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء؛

فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر - رضي الله عنه -: ((رمى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد فإذا زالت الشمس)) [رواه مسلم، برقم ٣١٤ - (١٢٩٩)] إلى أن قال: ((لأن رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى.
وحديث ابن عباس: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أبو داود، برقم ١٩٤٠، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥]، وكذا حديثه: ((كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم - يعني - لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أخرجه أبو داود، برقم ١٩٤١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٦] يحمل إذا كان صحيحاً على الاستحباب كما تقدم.
وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، ... ثم استدل بحديث عائشة رضي اللَّه عنها في رمي صفية رضي اللَّه عنها قبل الفجر، وبحديث أسماء، وأنها نزلت من مزدلفة بعد غروب القمر، ثم رمت قبل صلاة الفجر، وقال: لأنه وقتٌ للدفع من مزدلفة، فكان وقتاً للرمي، ثم قال في الأخبار في الرمي بعد طلوع الشمس: ((والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب)). [المغني، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥].
القول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رمي جمرة العقبة يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خذوا عني مناسككم ... )) [مسلم، برقم ١٢١٨، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥]، وبحديث ابن عباس، وفيه: (( ... لا ترموا الجمرة حتى تطلع المشس)) [أبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، والترمذي، برقم ٨٩٣، وتقدم الحكم عليه].
القول الثالث: أول وقت رمي جمرة العقبة للضعفة بعد طلوع الفجر، ولغير الضعفة بعد طلوع الشمس، وهو قول لبعض أهل العلم، واختاره ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢، قال ابن القيم رحمه اللَّه: ((وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقاً للقادر والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه: [قال شيخنا رحمه اللَّه تعليقاً على هذا المذهب: وهذا هو الصواب، لكن بعد نصف الليل، والأقوياء الأفضل لهم تأخير الرمي إلى بعد طلوع الشمس]. والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة رحمه اللَّه، والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدَّه بالنصف دليل، واللَّه أعلم)) [زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢]. ويرى العلامة ابن عثيمين رحمه اللَّه: أنه لا يدفع أحد من مزدلفة، ولا يرمي إلا بعد أن يصلي الفجر ما لم يكن ضعيفاً، أو صاحب ضعيف، ومع ذلك لو دفع بعد نصف الليل فإنه لا يأثم، والمسألة من باب الأفضلية [الشرح الممتع، ٧/ ٣٦١].
ثانياً: آخر وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: ((قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحباً لها))؛ ولحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: ((اذبح ولا حرج))، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: ((لا حرج)) [البخاري، برقم ١٧٣٥، بلفظه، ومسلم، برقم ١٣٠٧].
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩ في قوله: ((رميت بعدما أمسيت)) أي بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدَّ الظلام، فلم يتعيَّن لكون الرمي المذكور كان بالليل))، فإن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ جمرة العقبة، فقد اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: يجوز الرمي ليلاً، وهو قول عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، وبه قال الإمام مالك وأصحابه، والإمام الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١ - حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل يوم النحر بمنىً فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: ((إذبح ولا حرج))، وقال: رميت بعدما أمسيتُ؟ فقال: ((لا حرج)) [البخاري، برقم ١٧٣٥]، قالوا: فقد صرّح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢].
٢ - ما روى مالك في الموطأ في كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار، ١/ ٤٠٩، عن نافع مولى ابن عمر: ((أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد اللَّه بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئاً))، قال العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر في كتابه تبصير الناسك، ص ١٤٥: ((بإسناد صحيح))، فقال أصحاب هذا القول: فقد أمر ابن عمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الرمي ليلاً جائز. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٥].
القول الثاني: لا يجوز الرمي ليلاً، بل إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ، فإنه يؤخر رمي جمرة العقبة حتى تزول الشمس من الغد ثم يرميها، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: ((فإن أخرها إلى الليل لم يرمِ حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق ... ))، وردّ أصحاب هذا القول على من استدل بحديث: ((رميت بعدما أمسيت)) فقالوا: إن مراد السائل بقوله: ((بعدما أمسيت)) يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل، قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس المذكور فيه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل يوم النحر بمنى ... الحديث، فتصريحه بقوله: ((يوم النحر)) يدل على أن سؤاله وقع في النهار، والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩: ((رميت بعدما أمسيت)) أي بعد دخول المساء))، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام لم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل))، وقال ابن منظور في لسان العرب: ((المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم إلى نصف الليل)).
فأجاب أصحاب القول الأول بأجوبة منها:
الجواب الأول: أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا حرج)) بعد قول السائل رميت بعدما أمسيت؟ يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل.
الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعاً بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت؛ لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يسأل أيام منى؟ فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: ((لا حرج))، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: ((لا حرج))، [النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩]، فقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، كما تقدم [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢٨٤].
الجواب الثالث: هو ما تقدم في موطأ الإمام مالك عن ابن عمر في الدليل الثاني من أدلة القائلين بجواز الرمي ليلاً.
فالراجح جواز الرمي ليلاً، فيرمي من فاته الرمي لجمرة العقبة قبل غروب الشمس، ليلاً، عن اليوم الذي غابت شمسه، فيرمي عن جمرة العقبة ليلة الحادي عشر، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز رحمه اللَّه، ويرجحه منذ دهر طويل [انظر: مجموع الفتاوى له:١٧/ ٢٩٩، ٣٠١، ٣٧٧].
ثالثاً: جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك الماجشون من أصحاب مالك الجمهور، فقال: هو ركن، واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٧].
رابعاً: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا جمرة العقبة [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٧].

<<  <   >  >>