للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أصبحت كالحائم الحران مجتنبا ... لم يقض وردا ولا يرجى له صدر

وقال فيها أيضا وهو أجود ما قال فيها:

يزهدني في حب عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي

فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب

فما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب

وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا ... وألف بين العشق والعاشق الصب

وجاءته يوما مع خمسة نسوة قد مات لإحداهن قريب يسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به فوافينه في مجلسه المسمى بالبردان وكان له مجلس يجلس فيه بالغداة يسميه البردان، وآخر يجلس فيه عشية يسميه الرقيق فاستأذن بالدخول عليه فأذن لهن، فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه.

فقالت إحداهن: هو خمر وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل. وقالت الثالثة: هو نقيع زبيب. فقال: لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي فأمسكن ساعة، ثم قالت إحداهن: ما عليكن من ذلك فأقمن يومهن وأكلن من طعامه وشربن من شرابه وأخذن من شعره، وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه فبلغ بشاراً كلامه، وكان بشار يلقب الحسن البصري بالقس فقال:

لما طلعن من الرقي ... ق علي بالبردان خمسا

وكأنهن أهلة ... تحت الثياب رفقن شمسا

باكرن طيب لطيمة ... وغمسن في الجادي غمسا

فسألنني من في البيو ... ت فقلت ما يحوين انسا

ليت العيون الناظرا ... ت طمس عنا اليوم طمسا

فأصبن من طرف الحدي ... ث لذاذة وخرجن ملسا

لولا تعرضهن لي ... يا قس كنت كأنت قسا

[العبادية جارية المعتضد بن عباد والد المعتمد]

أهداها إليه مجاهد العامري وكانت أديبة كاتبة ذاكرة لكثير من اللغة فصيحة العبارة لطيفة الإشارة حاضرة الرواية قريبة النادرة لها إلمام تام بضروب الغناء، وكان يميل إليها المعتضد ميلا شديدا ويشغف بها شغفا زائدا حتى أنها ألهته عن بعض أموره، وكانت من توقد قريحتها وحضور بديهتها ترتجل الشعر والأمثال ومن ذلك أنها كانت نائمة ذات يوم وكان المعتضد سهران فدخل عليها وهي نائمة فقال:

تنام ومدنفها يسهر ... وتصبر عنه ولا يصبر

فأجابته بديهة بقولها:

لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجدا ولا يشعر

ولها غير ذلك من الأشعار والنوادر.

[عبيدة الطنبورية بنت صباح مولى أبي السمراء]

كانت عبيدة من المحسنات المتقدمات في الصنعة والآداب يشهد لها بذلك إسحاق وحسبها بشهادته

<<  <   >  >>