للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الترجيح:

أقول: أما القول الأول فالقائلون به تعلقوا بحديث أبي بردة في منع الضرب فوق عشرة أسواط «إلا في حد من حدود الله» وحملوا «الحد» على العقوبة المقدرة في الجرائم الحدية، والآخرون حملوه على أنَّ المراد: حق من حقوق الله وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها؛ لأن المعاصي كلها من حدود الله، قلت: وهو الأصوب؛ وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إلى أن المراد بحدود الله: ما حرم لحق الله، قال: فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} (١) ويقال في الثاني: {تلك حدود الله فلا تقربوها} (٢).

وتسمية العقوبة المقدرة حدًّا عرف حادث، فيكون مراد الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات (٣).

قلت: ومما يدل على جواز الزيادة في التعزير على عشر جلدات ما سيأتي قريبًا

من تعدد صور التعزير التي لا تقتصر على الجلد والضرب، وهذا واضح ولله الحمد.

وأما من قال لا يبلغ التعزير أقل الحدود، فلا أرى له حجة يدان بمثلها، فالذي يبدو لي أنه أعدل الأقوال أن يقال: يجوز الزيادة على الحد في التعزير في الجرم الذي ليس في جنسه حدٌّ، وأما ما في جنسه حدٌّ فلا يزاد فيه على الحد وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.

هل يجوز التعزير بالقتل؟ (٤)

وقع في كلام الحنفية والمالكية والحنابلة في بعض الجزئيات جواز التعزير بالقتل، وهو اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - قال: ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتِل، مثل الفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في


(١) سورة البقرة: ٢٢٩.
(٢) سورة البقرة: ١٨٧.
(٣) انظر: «السياسة الشرعية» (ص ٥٥، ٥٦).
(٤) «ابن عابدين» (٤/ ٦٢)، و «تبصرة الحكام» لابن فرحون (٢/ ٢٠٦)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٤٩)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ١٧٤)، و «الأحكام السلطانية» (ص ٢٣٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٨، ١٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>