للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«والذي يُحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على الأربعين في الخمر، وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازمًا، وتارة غير لازم، وأما القول بكون الثلاث شرعًا لازمًا كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي» (١).

«ولا يجوز لأحد أن يظن بالصحابة أنهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمعوا على خلاف شريعته - بل هذا من أقوال أهل الإلحاد - ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول بإجماع أحد بعده، كما يظن طائفة من الغالطين، بل كل ما أجمع عليه المسلمون فلا يكون إلا موافقًا لما جاء به الرسول لا مخالفًا له، بل كل نص منسوخ بإجماع الأمة، فمع الأمة النص الناسخ له، تحفظ الآن النص الناسخ كما تحفظ المنسوخ، وحفظ الناسخ أهم عندها» (٢).

الترجيح:

بعد هذا العرض لطرف من أدلة الفريقين وما نوقشت به، فإنه يتبيَّن للباحث أن المسألة من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، ولا ينبغي لأحد من الطائفتين أن يشدد النكير على الآخر.

وإن كان الذي يبدو لي أن أقوى الأدلة على الإطلاق حديث ابن عباس المتقدم، ولم يأت من حاول التخلص منه بحجة تُنفق، فالذي يترجَّح لدي هو أن طلاق الثلاث - ولو بالتكرار لقوله (أنت طالق) - لا يقع إلا واحدة رجعية، على أنني أقول: هذا هو الأصل، لكن لو رأى القاضي المصلحة في إيقاع هذا النوع ثلاثًا من باب التعزير ونحوه، فله في فعل عمر وإقرار الصحابة متنفَّس وهذا هو الذي تُعمل فيه جميع الأدلة حسب مواردها، والله تعالى أعلم بالصواب.

ثانيًا: الطلاق السُّنِّي والبدعي

ينقسم الطلاق من حيث وصفه الشرعي (أو من حيث كيفية إيقاعه) إلى سُنِّي وبدعي.

والمراد بالسُّني: ما وافق السنة في كيفية إيقاعه، وليس المراد بهذا أن الطلاق بهذه الكيفية سنة!! فإن الطلاق تتناوله الأحكام الشرعية الخمسة كما تقدم.


(١) «السابق» (٣٣/ ٩٧ - ٩٨).
(٢) «السابق» (٣٣/ ٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>